الرئيسية » غير مصنف » ما لا يجب أن يستحي منه السوريون..بقلم إبراهيم الجبين

ما لا يجب أن يستحي منه السوريون..بقلم إبراهيم الجبين

ممّا لا يجده المرء إلاّ في سورية، هو ذلك الحياء الكبير الواسع، المتفق عليه في المجتمع، والمدارس والبيوت والحارات، بالسكوت عن الفوارق الطائفية والعرقية، وبالتعمية عليها طوعاً، وكأن السوريين يدركون أنهم أرفع مكانةً من الاختلاف في درك النوع، وأن ما يجدر بهم هو التعالي على التقسيم الطائفي، وفي الوقت الذي يعلن الآخرون في أنحاء العالم خرائط الاختلاف الطائفي من خطوط التوتر في أوروبا ما بين الأرثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية، وطبعاً تخوم مملكة محمد kingdom of Mohammad كما كانت تسمى في القرون الماضية (سواءً في رسائل البابوات أوحراس الهيكل أو في نبوءات نوستراداموس).

وفي تلك المملكة.. مملكة محمد، التي يبدأ الخلط فيها من اسمها، بنسبتها إلى رجل قال عن نفسه (إني لست بمَلكٍ إنّما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد ( أي اللحم اليابس، فهو أول من رفض الملك ورفض معه معنى المملكة، ورفض معه ذلك كلّه معاملة الناس على أنهم رعايا في مملكة، فمن يعيش في الدولة التي حلم بها مؤسس الكيان العربي الأول، لا تفرّق بين الناس، لا حسب ألوانهم ولا انتماءاتهم، ولا ألسنتهم، بل وفق أدائهم وتقواهم والتزامهم بمجتمعهم.

وطالما أنها لم تكن مملكة محمد عليه السلام، بل دولة الله المشرقي،  الذي يقبل الجميع، والذي وسعت رحمته كلّ شيء، ودولة الإنسان المشرقي، الذي صنعه كل شيء، وتراكم حضارات من خلفه لتنتجه، فهي ليست دولة تقسيم، ولا تفريق بين الناس.

وقد فهم المؤسس، كيف سيحصل الاختلاف، وتوقّعه وأشار إليه، (الاختلاف في أمتي رحمة) واعتبره زيادةً في الرأي، لا تضييقاً على العقل، وحين جاءهم الأعرابي ليدعو له قائلاً: (اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً) منعه من ذلك ضاحكاً وقال: (حجّرت واسعاً يا أعرابي) أي أنك ضيقت رحمة الله ومنعتها عن الآخرين واختصرتها لنفسك.

هذا ما كان من المؤسس، أما اليوم، وهنا، فلسنا بحاجة لأية دروس من أحد في الوحدة الوطنية، ولا في كمال نقاء المجتمع، وانعدام الحس الطائفي فيه، ونعرف كم نحن متداخلون بصورة لا يمكن فضّها ولا فصمها، ومن يعبث الآن في ذلك التكوين، إنما سيكون أول المحترقين به، والخاسر الوحيد من ورائه، فلن يخسر الناس جيرانهم وأقاربهم وأصدقاء طفولتهم وزملاء مقاعد دراستهم وشركاء أحلامهم.

أما ما يجب أن يغيّره السوريون فهو التعامل مع الثقافة والطائفة والعرق، على أنها عورة، وعيبٌ عليهم المسارعة إلى الهروب منه، وستره، والذهاب إلى زاوية معتمة هادئة لممارسته والتفكير فيه!!!

لماذا لا يحكي السوريون عن حياتهم الروحية والثقافية ـ المجتمعية؟!

الإجابة هي: ليس لأنهم متطورون إنسانياً، وهم كذلك، ولكن ليس هذا دليل تطوّرهم بل هو إشارة وعلامة تدلّ على أمر آخر… وهو أنهم خضعوا لتحريم هذا النوع من التفاعل الاجتماعي يوماً ما، أم أن السوريين نسوا ما تعرضت له بلادهم في العام 1860؟!!!!

يوم كانت دمشق عاصمة اقتصادية عالمية، في عالم الحرير، والتجارة به، والتنافس والتحارب عليه، ويوم تمكّن أصحاب المصالح من نقل الاحتراب من مائدة التجارة إلى مائدة السماء وأتباعها، واشتعلت دمشق، لولا حكمة رجالاتها وعلى رأسهم الأمير عبد القادر الجزائري الدمشقي، الذي أمّن الناس، ومنعهم من قتل بعضهم بعضاً، وأكّد على أنه ليس طالب سلطة، بل أنه رفض السلطة، والملك، ومشروع نابليون الثالث بتأسيس مملكة عربية يرأسها الأمير عبد القادر وتكون عاصمتها دمشق.

ولكن الدرس لم يكن هنا، بل فيما تبع ذلك من إجراءات، حين قرّر الباب العالي، التحقيق في الأحداث، ومعاقبة المسؤولين عنها، ولأنها لم تكن حرباً طائفية، بل كانت فعلاً مزَوّراً، وفتنة صناعية، ما كان من لجنة التحقيق إلا أن قرّرت البحث عن مسببين لها، حتى لو كانوا افتراضيين أيضاً، فقالت: إن السكوت على حدوث الفتنة.. مشاركة فيها،

ولذلك يجب معاقبة أهل الشام، فتم نفي العلماء والأعيان والوجهاء، وتم إحلال سكانٍ من طوائف مختلفة محلّ آخرين من طوائف أخرى، في قلب دمشق، وأفرغت الشام من نخبتها، وساد فيها من كان قريباً من الحكم، ومن لديه علاقات ارتباط غير نبيلة مع وسائل ذلك الزمان، وحرّم على السوريين أن يتحدثوا في شؤونهم الدينية والفوارق فيما بينهم، وكأنهم جميعاً شركاء في الـ …طوشة!!!

إن هجرة وتهجير الطبقة البرجوازية الصناعية جعل من الصعب على السوريين أن يتمكنوا من تأسيس نهضة حضارية صناعية حقيقية علماً بأن الأمر قد تكرر بعد ذلك ولكن بأسلوب آخر، في فترة ما بعد الاستقلال (1945- 1958)!!!

وبعد ستة أشهر على الطوشة.. وصل إلى دمشق الوزير فؤاد باشا، بأمر من السلطان ومعه أربعة آلاف عسكري عثماني، مسلحين بالبنادق الحديثة، لطمر الفتنة!، وجلس الوزير في السرايا ومعه النواب والقناصل الأوروبيون، وعقد مجلساً للتحقيق، وبعد خمسة أيام تفرقت العساكر لإحضار المتهمين، وأخذوا يعتقلون الناس في التكية التي بالمرجة.

طالب أعضاء اللجنة الدولية، بحبس أعيان دمشق كلّهم، لأنهم لم يمنعوا الأحداث من التوسّع والانفجار، وتم إعدام أكثر من مئتي شخص من أهالي وزعماء ووجهاء دمشق، إما شنقاً أو رمياً بالرصاص، وكان في مقدمة من أُعدم أحمد باشا والي دمشق،  وصدرت أوامر بنفي وتسريح التجار ومصادرة أملاكهم، وبسجن أكثر من ثلاثمئة من أهالي دمشق.

وممّن تم نفيُهم من أعيان دمشق ووجهائها: الشيخ عبدالله الحلبي شيخ علماء دمشق، وعمر أفندي الغزي عين أعيان دمشق، وطاهر أفندي الآمدي مفتي دمشق، وأحمد أفندي العجلاني نقيب دمشق، وعبدالله بيك العظم الشهير وولده علي باشا وهما ثقة الشام ومرجعها، وأحمد أفندي الحسيبي ومحمد بيك العظمة أعضاء مجلس الإدارة في دمشق، وسعيد باشا شمدين من أعيان الأكراد، ومحافظ الحج الشريف، وقُسّمت دمشق إلى ثمانية أقسام، وفرض عليها خمسٌ وعشرون ألف كيسٍ من الذهب، منها ضرائب عمومية وضرائب خاصة، ووضعت قوات نظامية، تحت إمرة مجلس جباية جديد من أعيان دمشق، فكثر الفساد والتزوير وخربت البلد، وصار أعضاء مجلس التحصيل يقبضون الرشوة.

هاجر عددٌ كبير من أهالي دمشق إلى قبرص واليونان وأصيب الناس بأضرار كثيرة، وكتب محمد كرد علي  (ثبت أن والي دمشق قال للأمير عبد القادر وهو يستأذنه لإطفاء الفتنة: ليس لي من الأمر شيء، وإذا كنت تستطيع أنت أن تحافظ بجماعتك المغاربة، فلك ذلك، فقال الأمير: ينقصني السلاح، فأعطاه سلاحاً لأربعمئة مقاتل).

وكتب المؤرخون: خرج أهالي دمشق بعد هذه الفتنة، وقد خسروا مادياتهم ومعنوياتهم، وخربت الدور والقصور وحُرقت البيَع والأديار، وبدأت أيامُ ذلِّ أهالي دمشق تظهر، بعد القضاء على أعيانهم وكبرائهم، وأصبحوا عبيد الدولة في كل ما تأمر به، لا يراجعون الوالي في أمر ظاهرٍ أو باطن.

كان  هذا  سرّ السوريين…وجرحهم القديم…

شاهد أيضاً

ثقافة السويداء تحتفل بيوم الطفل العالمي

شام تايمز ـ السويداء احتفلت وزارة الثقافة برعاية وزيرة الثقافة “لبانة المشوح”، بيوم الطفل العالمي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.