الرئيسية » news bar » الشعور بالنقص … أكثر الأمراض النفسية شيوعاً. بقلم: ريتا فصيحة

الشعور بالنقص … أكثر الأمراض النفسية شيوعاً. بقلم: ريتا فصيحة

مركب النقص يمكن أن يكون تفسيراً عاماً شاملاً لكل سلوك يدلّ على عدم الثقة بالنفس و الإحساس الدائم بالفشل.

إنّ الشعور بالنقص استعداد كامن لدى كل شخص على اختلاف الظروف التي تحيط بنموه و تقدمه و يكون هذه الشعور هو شعور بالخوف الذي يفرض عليه الانسحاب بدلاً من التصدي و التقدم، فيتسم سلوكه بالإتجاه الهروبي من المشاكل .

لذلك إنّ المصابين بعقدة النقص ذكوراً كانوا أم إناثاً يتحسرون دائماً على انتهاء زمن طفولتهم و يفضلون الحياة في أقرب جو نفسي إلى مرحلة الطفولة لأنه في هذه المرحلة يعفى فيها الشخص من المسؤولية و الكفاح، و الهاربون من المسؤولية هم في الحقيقة الهاربون من الواقع، لأن الواقع يتضمن المسؤولية دائماً و الهاربون من الواقع يجدون مهربهم في المخدرات أو الكحول أو في القمار أو في أحلام اليقظة.

و هناك أناسٌ يحاولون إخفاء شعور النقص عن طريق عكسي باتخاذ خطة الهجوم للتظاهر بالقدرة الخارقة مداواة لما يشعرون به من الضعف، و هؤلائ الناس يتخذون التحدي باستمرار.
و ما من إنسان بمنجاة من هذا الشعور في وقت من الأوقات فالإنسان صغير و العالم كبير و شعورنا بالضآلة و الصغر هو الذي يزن حركاتنا و أهدافنا و يلزمها الحدود المعقولة.

كما أن الاحتيال على التقدم بالابتكار و التفنن لا يمكن أن يكون إلا نتيجة بنائية لشعورنا بمبلغ ما ينقصنا من القوة و القدرة و هذا الشعور الطبيعي لا ضرر منه، و فيه خير كثير، و إنما ينشأ الضرر حين يتضخم الإحساس بالنقص فيشلّ التفكير و يزيغ الملكات النفسية و العقلية و يصبح أداة تعطيل لا قوةً دافعة.

إن الشعور بالنقص وباء عصرنا النفسي، إن ذلك راجعٌ إلى الظروف الخاصة بالعصر الذي يعيش فيه، فإن نصف أمراض عصرنا النفسية على الأقل راجعٌ إلى أنّ الرجال و النساء لم ينضجوا نفسياً،و إنّ البلوغ الجسدي لم يصحبه بلوغ عاطفي، و إنما صاحبه حنين و تحسر على انقضاء الطفولة التي كان فيها الحبل على الغارب و المسؤولية على الوالد ولا مانع في مقابل ذلك أن يتسلط، و لهذا شاعت بين أبناء العصر الحاضر التنكر للمسؤولية و ما في ذلك من اللهو و الاستهتار و ارتفاع نسبة الطلاق و كثرة اللقطاء.

و هناك ظاهرة أخرى من مظاهر طفولة رجال عصرنا و نسائه، هو الحب الصبياني لمشاهدة الحروب على الشاشة، و الولع بحلقات الملاكمة ووراء ذلك كله يكمن سر خطير يتيح للساسة استغلال هذه الميول المرضية لخلق شعور عدائي و طاقات عدوانية تسخر لتحقيق المطامع في حروب و تعتبر ولا شك وصفة لعصرنا المتقدم .

و يمكن أن نعتبر الأدق أيضا علامة أخرى من علامات عدم الاستقرار الداخلي الناجم عن الشعور بالنقص، فالضمير يصرخ في الشخص أنه لا يستحق أن ينام لأنه لم يبذل قدراً كافياً من الجهود. لم يزل أمامه قسط آخر من العمل لا يصحّ أن ينام من غير أن يتمه، ولكنه لا يعرف بالضبط ماذا يجب أن يعمل فيظلّ مستيقظاً من غير نتيجة إلا إنهاك أعصابه بالبحث عبثاً عن النعاس.

و من أعراض الشعور بالنقص أن يتميز الانسان بحساسية مفرطة مبالغ فيها، و شعور بالهوان و يظهر هذا الشعور على شكل ملل مستمر و عدم تلذذ بشيء مما يحيط به، سواء في العمل أو في البيت أو في اللهو و تفقد الأشياء طعمها و يبدو الشخص غير مكترث لأي شيء. وفي أحيان أخرى يبدو الشخص متغير الأحوال تتداوله نوبات من الصمت العميق و من الثرثرة و يصاحب الصمت ثبوط الهمة أو التشاؤم أما نوبات الثرثرة فيصحبها التهلل و المرح الصاخب.

و أخطر ما يكون الشعور بالنقص عند من يتخذون مسلكاً عكسياً فبدلاً من تحقير أنفسهم و الشعور بهوانهم يختطون تحقير الناس و التهوين من شأن المجتمع و ما فيه و من فيه و هناك بطبيعة الحال أنواع من الشعور بالنقص لها أعراض ليست بهذا الخطر و إنما هي جنوح إلى التعويض غير الضار .

فالرجل القصير يحاول الظهور بمظهر الخيلاء و انتفاخ الأوداج و الأمر أسهل بالنسبة للمرأة القصيرة لأنها تجد حلاً  أقلّ حرجاً عن المألوف في الكعوب العالية، و إذا رأيت شخصاً يتكلم بلهجة التعالي أو التعالم، فاعلم أنه يعاني شعوراً بنقص في علمه أو مكانته أو نسبه .

و كذلك من يقحم في كلامه ألفاظاً علمية اصطلاحية في غير موضعها أو تعبيرات أجنبية في غير محلها فهو شخص مطعون في تقافته و المبالغة في التأنق عند أفراد الجنسين نوع من أنواع المبالغة في الظهور و طريقة من طرق تعويض الشعور بالنقص و أكثر ما يظهر ذلك في النساء اللواتي أثرين بعد فقر وفي ممثلات السينما اللواتي اشتهرن بعد خمول.

إنّ الشعور بالنقص في أصله شعور عام جداً لا يخلو منه بشر و إنه يهدينا إلى ما يجب أن نستكمله من نقصنا و نقويه من ضعفنا.

فلولا شعورنا بالنقص أمام الطبيعة لما سعينا و احتلنا لقهرها و تسخيرها في سلسلة طويلة من الفتوح العلمية و المخترعات و لكن التضخم المرضي في ذلك الشعور هو الذي يؤدي إلى العاهات النفسية.

فأحسن وقاية للناشئة من مركب النقص و مضاعفاته أن نعلمهم الطريق السليم للتعويض حتى لا يتورطوا بالتعويضات الملتوية التي تشوه سلوكهم و شخصيتهم.

و أول خطوة نتخذها أن نفهمهم كيف أن الإنسان ناقص بطبعه و أن وجود النقص ليس عيباً ولا خزياً، مادام ذلك شأن الجميع و إنما العار حقاً أن نزيف الواقع و نتظاهر بغير الحقيقة فنندفع في سلسلة متصلة الحلقات من الخداع و التزييف هي أساس كلّ الإضطرابات النفسيّة التالية و من الحماقة أن نتجاهل ذلك الواقع و نتركه يتضخم و إنما السلوك السويّ يكون بمواجهة موضع النقص بهدوء و التفكير في أحسن الوسائل لتلافيه فعلاً أو تحسينه.

و بذلك تخلو سريرتنا من الشعور بالخزي و نقتلع الحشائش الضارة بدلاً من تجاهلها فتستفحل و تخنق الزهور التي نتباها بجمالها.

فالتعويض السليم الواعي المستقيم عن النقص يجعل القصير قوي الشخصية من غير انتفاخ مضحك و يجعل مشلولاً كروزفلت قوياً بعقله لابأوهام يتشدق بها بين السكارى عن بطولاتٍ لم تحدث قط.

ريتا فصيحة

شاهد أيضاً

مطالبات لبنانية لتفعيل العلاقات اللبنانية السورية

شام تايمز – لبنان التقى نائب رئيس التيار الوطني الحر في لبنان لشؤون العمل الوطني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.