الرئيسية » news bar » وجه القصور في قانون الأحزاب السياسيّة بقلم : المهندس وضّـاح صـائـب

وجه القصور في قانون الأحزاب السياسيّة بقلم : المهندس وضّـاح صـائـب

أجادت اللجنة المكلّفة وضع مسوّدة قانون الأحزاب السياسيّة حين نشرت مسوّدتها في وقت قياسي نسبيّاً، كما أجادت وضع الخطوط العامّة لهذه المسوّدة، لا بدّ من الاعتراف لها بذلك، وتقديره لأفرادها ولرئيسها.

من جانب آخر، بات نشر مسوّدات القوانين وطرحها للنقاش العام ثقافةً متقدمةً وواعيةً تؤكّد أموراً عدّة، كلّها تبشّر بالخير، ليس أوّلها تكريس المناخ الديمقراطي المأمول، وليس آخرها تقدير السلطة لمواطنيها، وثقتها بوعيهم وحرصهم وحقّهم في المشاركة في عمليّة بناء سوريا الجديدة، بعد أن تمّ تغييبهم عقوداَ تحت خيمة حزب واحد احتكر السياسة والثقافة والرؤى……

كنت قد تقدّمت بمساهمة متواضعة تحت عنوان ” مشروع مقترح لقانون الأحزاب السياسيّة “، وبمعزل عن توافق مسوّدة القانون الذي طرحته اللجنة مع مقترحي، وهذا لم يكن ضمن توقعاتي أصلاً، لقناعتي وثقتي بمقدرة أعضاء اللجنة على انجاز ما هو أفضل من رؤية فرديّة، وما هو أكثر شموليّة وإحاطة، فثمّة أمران لابدّ من الإضاءة عليهما، تجاوباً مع الغاية من طرح المسوّدة للنقاش العام….

الأوّل، أنّ اللجنة بدت واعيةً للحراك الديمقراطي الحاصل، ولملامح الانعطافة الكبرى في شكل الدولة وتاريخ البلد، وواثقة من رغبة القيادة في التجاوب مع الرغبات المحقّة للمواطنين، فجاءت بنصوص وعبارات ” جريئة ” أسقطت المحرّمات والمقدّسات التي سبق تكريسها قدراً محتوماً.

الثاني، أنّ هذا الوعي لم يجرِ تعميمه على سائر مواد القانون المقترَح، وهنا وجه القصور الأوّل والأهم، كيف؟

لو جاء هذا القانون في ظرف آخر، في بلد مستقّرِ داخلياً، تُمارَس فيه الديمقراطيّة بشكل طبيعي، أو جاء تعديلاً لقانون قائم يحكم ممارسة فعليّة، متجذّرة ومستمرة، لربّما جاز قبوله ووصفه بالمرضي والكافي…

لكن الأمر ليس كذلك، وواقع الأمور في سوريا ليس كذلك، لا شكلاً ولا مضموناً…

الغالبيّة العظمى من السوريين تجاوزت فقدان الثقة في الحزب الحاكم، وفي أحزاب الجبهة الوهميّة التي لم تشكّل أكثر من أذناب مترهلة حكمتها النفعيّة والوصوليّة، هذه الغالبيّة لم تكن تنتظر قانوناً للأحزاب السياسيّة يكتفي بمحاولة تفعيل الأحزاب القائمة، أو يعيد تأطيرها في لبوسات جديدة، فالأموات لا يقومون في واقع الحياة، ذاك يحصل في عالم الآخرة الذي لا يقع في نطاق عمل اللجنة، أو مفاعيل القوانين الوضعية، الغالبيّة العظمى تريد أحزاباً سياسيّة جديدة، تؤسّس خارج مدرسة العبث والزيف والانتفاع الرخيص، أحزاب تمثّل طموحاتهم وآمالهم وإراداتهم، أحزاب شابّة فتيّة يساهمون في رسم برامجها، ويضبطون ايقاعات أدائها، لا مكان فيها لعبارات وشعارات ثوريّة واهمة، ولا لأسماء أو برامج رنّانة طنّانة لا تعكس أكثر من خواء لم يعد صالحاً للاختباء خلفه، أحزاب تشكّل فرصاً جديدة أمامهم بعد أن استنفذت الأحزاب القائمة كلّ الفرص التي استهلكتها هباءً…

هل لبّت مسوّدة القانون هذا الحق المشروع للمواطن؟… بالقطع لم تفعل… والأسوأ أنّها جاءت مفصّلةً على قياس حزب البعث وأحزاب الجبهة، أي الأحزاب القائمة والمؤسّسة فعلياً، متناسية مراسم الدفن الجارية، ومغفلة مراسم الولادة الجديدة.

مَن يقرأ النص المقترح للمادة العاشرة، والفقرة ب من المادة الحادية عشرة، يرى بوضوح الحق الذي يراد به الباطل، لجهة ما يترتب على الحزب الجديد تقديمه وإرفاقه بطلب التأسيس، ممّا يدخل في خانة التعجيز، ناهيك عن صعوبة تحقيقه في مرحلة ما قبل تقديم الطلب من قبل مجموعة ترغب في تأسيس حزب جديد، وما يمكن أن يؤدي إليه من مشاكل قانونيّة وماليّة في حال رفض الطلب…

فكيف يمكن، على سبيل المثال، لمجموعة من المواطنين، ترغب في تأسيس حزب جديد، أن تمتلك أو تستأجر مقرّاً رئيسيّاً ومقرّات فرعية، لتقديم عنوانينها في طلب التأسيس، وهي لا تمتلك بعد كياناً قانونيّاً مرخّصاً يتيح لها ذلك، ومَن سيتحمّل التكاليف، وما مآل هذه المقرّات إن رفض طلب التأسيس؟..

وكيف يمكن لمجموعة لا تحمل ترخيصاً أوليّاً أو مؤقتّاً أن تنشط بين الناس، وأن تدعو لمبادئها وبرنامجها، أو أن تستخدم وسائل الإعلان المتاحة لهذا الغرض، سيّما وأن المادة الحادية عشرة حدّدت الحد الأدنى لعدد الأعضاء عند التأسيس بألفي مواطن، موزعين على نصف محافظات القطر؟، أو أن تكلّف مختصين وقانونيين بإعداد الجوانب الإداريّة والماليّة التفصيليّة المطلوب إرفاقها مع طلب التأسيس؟

ومَن سيتحمّل التكاليف في غياب الحق القانوني لهذه المجموعة في تحصيل اشتراكات نقديّة من أعضائها، أو تلقّي الأموال أو صرفها؟ مع الإشارة إلى أنّ المادة الثالثة عشرة لا تجيز للحزب الجديد مباشرة أيّ نشاط قبل صدور الموافقة الأصوليّة، ممّا يحكم إغلاق الطوق حول رقبة مؤسسي الأحزاب الجديدة، ويكبّل أيديهم عن أيّ حراك مطلوب وضروري لتحقيق الهدف…

وحدها الأحزاب القائمة سيمكنها ذلك كلّه، وهذا وجه الخطورة في هذا المقترح، بمعزل عن كونه جاء بهذه الصورة عن غفلةِ أم عن قصد….

كنت قد اقترحت في المشروع الذي تقدّمت به، أن يقسم القانون عمليّة التأسيس إلى مرحلتين، الأولى هي مرحلة التقدّم بطلب ترخيص مؤقت لحزب – تحت التأسيس – يستحصل عليه المؤسسون بشروط ميسّرة، بما يتيح لهم حق مباشرة نشاطاتهم بين المواطنين، وعقد ندوات، واستئجار مقرّات مؤقتة، والإعلان في الصحف، وتكليف مختصين بإعداد الجوانب القانونيّة والإداريّة والماليّة، وتحصيل اشتراكات أو مساهمات أوليّة، وصرف الأموال لهذه الأغراض، وذلك خلال فترة أقصاها ستّة شهور من تاريخ التصريح المؤقت، والثانية هي مرحلة تسجيل الحزب إن استكمل شروط تأسيسه خلال المهلة المذكورة، حيث يصبح حينها وارداً تطبيق شروط المادة العاشرة، لا قبل ذلك.

السوريّون متحمّسون لقيام أحزاب جديدة والدخول في العمليّة الديمقراطيّة، بعد سبات طويل وحرمان مديد، ولعلّ انتظامهم في إطار أحزاب قانونيّة ذات برامج محدّدة وواضحة هو ما يجب أن يطمح إليه المشرّع، ويعمل على تيسيره، فاسحاً المجال لأكبر عدد ممكن من الأحزاب الجديدة أن تؤسّس وتشارك في عمليّة بناء وطن ديمقراطي، والكثرة ليست عيباً أو فوضى، فالبقاء للأصلح، والتجربة تستحق أن تخاض…

نقطة أخرى لا تقلّ أهميّة أغفلها مشروع القانون، هي السماح للأحزاب بترتيب امتداداتها بين السوريين المغتربين، بشكل علني وقانوني، فثمّة الملايين من أبناء الوطن الذين يعيشون ويعملون في الخارج، دول الخليج العربيّة ودول الجوار العربي على وجه الخصوص، هؤلاء على اتصال دائم بالوطن، ولديهم الرغبة والحماس للمشاركة في بناء وطنهم، ولعلّ استيعابهم في أطر الأحزاب المؤسّسة قانونيّاً يشكّل ثروة للوطن لا يجوز إغفالها، ناهيك عن أنّه يجنّبهم الالتحاق بأحزاب أو تنظيمات خارج الوطن، وخارج إطار القانون.

وجهة نظر نأمل أن تؤخذ بعين الاعتبار، كما كل مساهمات الآخرين، ما لم يكن القصد من نشر مسوّدة القانون ودعوة المواطنين لإبداء آرائهم، مجرّد سدّ للذرائع لم يعد مقبولاً…

مرّة ثانية، كلّ التقدير للجنة الموقّرة، وكلّ الأمل بقيامة وطن ديمقراطي معافى.

شاهد أيضاً

تأهيل نفق مدخل حلب الغربي.. وشوارعها “عم تتنظف”

شام تايمز – حلب ينفّذ مجلس مدينة حلب مشروع تأهيل نفق مدخل حلب الغربي من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.