الرئيسية » news bar » فضيحة غش الثانوية العامة على الطريقة الروسية

فضيحة غش الثانوية العامة على الطريقة الروسية

ترتبط كلمة «الغش» عادة بموسم الامتحانات في الكثير، إن لم يكن في كل بلدان العالم ففي المتخلفة منها أكثر من المتحضرة. ومع ذلك فإن ما حدث في روسيا هذا العام وما يتصدر نشرات الأخبار المركزية والمحلية تحت عنوان «فضائح ييه جيه» يبدو ذا طابع خاص ثمة من يقول إنه يهدد مستقبل الوطن بعد أن حمل في طياته ما قد ينسف النظام التعليمي في دولة طالما تغنت بأمجادها العلمية والتعليمية وكذلك في مجال إقرار العدالة وتوفير تكافؤ الفرص.

و«ييه جيه» هما الحرفان الأولى لكلمات «الامتحان الموحد على مستوى الدولة» والتي صارت منذ أقرها فلاديمير فيليبوف وزير تعليم الرئيس الأسبق بوريس يلتسين مثار انتقادات سرعان ما تحولت إلى بلاغات راحت تتلمس طريقها إلى الهيئات المسؤولة التي عهد الوطن إليها بصيانة قيمه وقوانينه حفاظا على أركان حاضره ومستقبله.

من هنا تكتسب قضية الغش التي تفجرت في روسيا وصارت تهدد مشروعية امتحانات «الثانوية العامة» أهمية خاصة لما ترتبط به من وقائع أبطالها شخصيات ومسؤولون كبار وضحاياها براعم صغار ثمة من يقول إنهم يظلون حلم الوطن في مستقبل مشرق وضاء.

ولذا تكون هذه القضية غير قاصرة على تلميذ ضعيف أو فاشل يحاول تعويض قصوره الدراسي بل وتتعداه إلى كونها إعلانا صارخا عن انهيار مجمل المنظومة التربوية والأخلاقية بعد أن صارت سبيلا إلى كل ما هو غير مشروع ليس فقط بالنسبة لصغار تلاميذ المدارس، بل وأيضا للبعض ممن سدت في وجوهم أبواب الرزق المشروع، أو ممن اعتبروا الأمر فرصة للتملق والتزلف إلى قياداتهم سعيا وراء ترقية أو الحفاظ على منصب.

القصة تبدأ منذ أن أقرت الدولة في تسعينيات القرن الماضي الامتحان الموحد على مستوى الدولة في عدد من المواد الأساسية مثل اللغة الروسية والطبيعة والكيمياء والرياضيات. وكان توحيد الامتحانات في السابق مقصورا على مستوى المدينة أو المقاطعة على اعتبار أن القرار الفصل للالتحاق بالجامعات والمعاهد العليا يتحدد من خلال امتحانات قبول تجريه كل من هذه المؤسسات التعليمية العالية.

ولم تكن هذه المؤسسات التعليمية بمنأى عن الفساد الذي تزايدت واختلفت صوره مع انهيار الدولة السوفياتية وضياع القيم والمبادئ وبعد أن صار كل شيء في الوطن سلعة تباع وتشترى بداية من فرصة الالتحاق بمعهد أو جامعة وحتى الحصول على الوظيفة والمنصب بما في ذلك منصب الوزير أو عضوية المجالس النيابية والتشريعية.

لكن قصة الغش اكتسبت هذا العام في روسيا «مذاقا خاصا» بعد أن اتسع نطاقها لتشمل طلاب المعاهد العليا والمدرسين الذين باعوا أنفسهم مقابل مبالغ مالية محددة لأداء الامتحانات نيابة عن أبناء الموسرين وحتى غير القادرين من أولياء أمور الطلبة الفاشلين وتحت سمع وبصر المسؤولين والمشرفين على لجان الامتحانات وبإيعاز من قيادات المؤسسات التعليمية وغير التعليمية.

وكشف عدد من أولياء الأمور عن أن المقابل المادي بلغ 3000 – 3500$ بالنسبة لامتحانات الرياضيات والكيمياء والفيزياء والتي قبل بتأديتها عدد من طلبة معهد موسكو للفيزياء أحد أشهر المعاهد التقنية العالمية المتخصصة نيابة عن كسالى التلاميذ. وقالت صحيفة «موسكوفسكي كومسوموليتس» إن عددا من هؤلاء الطلبة والمدرسين لم يكتف بإعطاء الدروس الخصوصية ومضى في الطريق حتى آخره ليؤدي الامتحان بدلا من التلميذ.

وليس مهما أن تؤدي طالبات المعاهد العليا الامتحان نيابة عن تلميذ وليس تلميذة ما دام المشرفون على اللجان يلتزمون بـ« قواعد اللعبة» ويغضون الطرف عن استيضاح هوية المُمْتَحَن. ولم لا وقد أقدمت فالنتينا كونكوفا مديرة أحد معاهد جمهورية «توفا» في سيبيريا على أداء الامتحان نيابة عن ابن أحد الوزراء حسبما نشرت وكالة أنباء «إنترفاكس».

غير أنه وإحقاقا للحق فإن المسؤولين والمشرفين على عملية الامتحانات لم يغمطوا غير القادرين من التلاميذ «حقهم» في الغش حيث سمحوا لهم بالاستعانة بما حملوه معهم من «برشام» أعدوه مسبقا على شكل قصاصات ورق أو باستخدام التليفونات الجوالة والرسائل الهاتفية وغيرها مما تفتقت عنه قرائح من سيعهدون إليهم بمستقبل الوطن.

وبالمناسبة فقد ظهرت مجموعات تخصصت في خدمة غير القادرين من تلاميذ الثانوية العامة وهي التي تتولى الإجابة على كل «الرسائل الهاتفية» مقابل 500 روبل أي ما يقرب من 20 دولارا عن كل رسالة. وللمزيد من الحقائق المفزعة أوردت صحيفة «كومسومولسكايا برافدا» اعترافات إحدى المدرسات التي كشفت عن قيامها مع زميلاتها باختيار طلبة المعاهد العليا ممن يعهدون إليهم بمساعدة تلاميذهن انطلاقا من يقين وثقة بقدراتهم العلمية وهم ممن قضوا سنوات تحصيلهم العلمي في الماضي القريب بين جنبات مدارسهن.

لكن ماذا عن موقف وزارة التربية ومسؤوليها تجاه هذه الفضيحة؟

أندريه فورسينكو وزير التربية والتعليم سارع إلى تأكيد أن الوزارة ليست جهاز أمن أو نيابة عامة. وقال إنه ليس من المعقول أن يمارس المشرفون على عملية الامتحانات مهام أجهزة الأمن المخابرات. وقال إن الحالات الصارخة صارت موضع تحقيق الأجهزة المعنية بما فيها النيابة العامة والمخابرات .

مشيرا إلى قراره بفصل الطلبة المتهمين بأداء الامتحانات نيابة عن بعض التلاميذ وهو ما سارعت المنظمات والاتحادات الطلابية بالاعتراض عليه انطلاقا من أن تحقيقا لم يجر بعد في هذه القضايا.. والمتهم بريء حتى تثبت إدانته. وكانت الوزارة أعلنت أيضا عن وضع أجهزة تشويش لأبطال عمل التليفونات الجوالة على مقربة من العديد من اللجان الانتخابية على غرار التجربة التي سبق وقامت بها جامعة موسكو أكبر وأشهر الجامعات الروسية منذ بضعة أعوام للحد من سلوك أبطال ظاهرة ما وصفته آنذاك بـ«الغش الإلكتروني».

على أن ذلك كله لا يعني نهاية العالم حسبما يقولون في موسكو. فهناك من لا يزال يرى أن الصورة ليست بالغة القتامة ولا سيما بعد أن تحرك البعض بداية من فلاديمير بوتين رئيس الحكومة ونهاية بمجلس الدوما ووزارة التعليم سعيا وراء وضع حد لهذه المهازل «التربوية والتعليمية»، في الوقت الذي نجد فيه آخرين ممن يطرحون هذه الفضائح من منظور الدعوة إلى إنقاذ مستقبل الوطن والحيلولة دون سلب حقوق الأكفاء والموهوبين من أبنائه.

وهناك أيضا من يقول إن في هذه الفضائح جناية ترقى إلى حد الخيانة العظمى التي تستوجب سرعة التحرك ليس فقط من جانب الشرعية والقانون ولا سيما أنها تعني في طياتها المساس بمستقبل الوطن وإيكال أموره إلى من لا يستحق ممن فسد وأفسد وهو لا يزال في مقتبل العمر. وفي الإشارة إلى مثل هذه التقديرات ما يكفي لتأكيد أن بصيصا من النور يتبدى في نهاية النفق المظلم بما قد يقي هذا البلد شرور أبنائه وهو الذي طالما قال بقدرته على مواجهة أعدائه.

شاهد أيضاً

وزير الزراعة يلتقي شخص قدم اقتراحاً علمياً عبر صفحة الوزارة على فيسبوك

شام تايمز- دمشق التقى وزير الزراعة “محمد حسان قطنا” مع الدكتور “محمد المسالمة” الذي طرح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.