الرئيسية » غير مصنف » العقد الاجتماعي و الحدود..بقلم إبراهيم الجبين

العقد الاجتماعي و الحدود..بقلم إبراهيم الجبين

هل يحتاج الناس حقّاً إلى التعاقد على الحياة؟!
الإجابة هي: نعم وبالتأكيد، بعد أن فرضت الحياة الحديثة انفراط العقود العتيقة، التي كانت تجمع الناس وتضمّهم، فلم يعد الرابط العشائري قادراً – في المدنية – على لمّ الناس على كلمة الشيخ – القائد – الراعي، لأن المدنية كفيلةٌ بتوفير ما يمكن له أن يقدّمه لرعيته، وكذلك لم تعد الرابطة الدينية كما كانت من قبل، قادرةً على وضع الناس بسمتٍ واحدٍ، لأن العلم والمعرفة وقد انتشرا بشكل هائل بين البيوت والأسر والأفراد، فلم تعد القصة حبيسة بين ذراع رجل الدين وجبّته، وبين أوراقه، ولم يعد التفسير حكراً على الدارسين، بل يكفي أن تطلع على الفقه والشريعة من أسرع صفحة انترنت تجدها بين آلاف الصفحات المتخصصة.

أما الرابطة الفكرية – السياسية التي نمت ونشأت مع بداية الدولة في هذا الزمان، وربما لو أتيح لها الوقت قبل ولادة الدولة، أعني أحزاب وجمعيات بداية القرن العشرين،  لنضجت تجربتها أكثر، ولباتت قادرة على الشروع في بناء الدولة وهي مستعدة راسخة، ولكن الدولة والحياة الحزبية ولدا معاً في أواخر العهد العثماني، وهذا ربما يفسّر الإخفاق في الوصول إلى كل منهما بدرجات متقاربة.

الرابطة السياسية، التي يمكن أن تجمع الناس، لن تتمكن من جمع كل الناس بالتأكيد، لأن بين الجموع من لديه ميلٌ قومي، وآخر يختار الحياة المنغلقة على الداخل سياسياً،  وثالثٌ ربما يختار الوسط والليبرالية، وغيره يندفع باتجاه الأفكار التي لا يمكن تطبيقها على أرضِ واقع!! فتبقى إذاً الرابطة السياسية جزءاً ًمن خيار مجموعة بشرية ولكنها ليست خيار الناس كلهم، واستبدالها بالعقد الاجتماعي، مأزقٌ كبير…دفعت ثمنه مجتمعات قبلنا، ودفعنا ثمنه نحن في أوقات مختلفة في أكثر من مكان في الأمة.

ولكن ما العمل؟ ونحن نفكّر بهذه الطريقة التي ترجع إلى الخلف لتفهم الحاضر، فكيف يعيش الفرد في (تجمّع) روابطه باتت محلّ نقاشٍ وإعادة نظر؟! وبماذا يجب أن نبشّره اليوم؟!
في عصور (ما قبل المجتمع) أو كما سمّاها هوبز وجون لوك وجان جاك روسو، (State of Nature) كان الفرد يعيش بلا حماية من محيطه،  فوجد هوبز أنّ الإنسان كان يتركز اهتمامه في (المصلحة الذاتية)، ومع وجود مصادر محدودة وغياب سلطة تجبر الأفراد على التعاون، استنتج أن الحياة في مثل هذه البيئة ستكون (صعبة التحمّل) وقاسية جداً، بحيث يخشى كلّ فرد على حياته من الآخر، ولا يستطيع أحدهم ضمان تلبية حاجاته ورغباته لمدّة زمنية طويلة، وعليه استنتج أن مرحلة (ما قبل المجتمع) الهمجية، تحوي أسوأ ظروف يمكن أن يعيشها الإنسان، مما يطرح وبقوة ضرورة تكون التجمعات البشرية والقوانين التي تحكمها، رأى هوبز أن الطريق للخروج من الحالة السابقة يتم عبر الاتفاق على العيش تحت (قوانين مشتركة) والاتفاق على إيجاد (آلية لفرض القوانين) عن طريق سلطة حاكمة. وقال هوبز إن تطبيق ذاته يحتاج سلطةً مطلقة لأن بديلها سيكون انعدام الرابط المجتمعي.

فكّر جون لوك في كون (الحالة الأصلية) مع انعدام القوانين فيها فإنها تحتوي على أسس أخلاقية، – وهذا صحيح وقد جئنا على ذكره في الحديث عن العشائرية والروابط الدينية – وبالتالي فهي (ممكنة التحمّل) ولها أمثلة واقعية، وقد اختلف لوك مع هوبز في معارضته لمبدأ (السلطة المطلقة)، ورأى أنّ الفرد له حقّ مقاومة السّلطة (الغاشمة)، انطلاقاً من مبدأ الدفاع عن النفس – على حدّ قوله .

أما جان جاك روسو الكبير، فقد خالف سابقيه(هوبز ولوك) في افتراضهما كون (الحالة الأصلية)  State of Nature هي حالة مليئة بالمشاكل والظروف السيئة، بل على العكس توقع روسو أن الناس كانوا في تلك الحالة يعيشون حالة اكتفاء ذاتي وسلام في ظلّ مبادئ أخلاقية – وهذا ممكن جداً ولا نخالفه نحن فيه – إذ يرى روسو أنّ التجمّع أتى نتيجة لعوامل اقتصادية مثل الاختراعات وتطور عوامل الإنتاج وتقسيم العمل، ممّا أنشأ قيماً (جماهيرية) جديدة ناتجة عن المقارنة مثل (الخجل والحسد والفخر..) وأهمّ هذه القيم في رأي روسو هي (الملكية الخاصة)، حيث يعتبر إيجاد هذه الفكرة منحنى تاريخياً مهماً في مسيرة البشرية.

ويعود سبب ظهور (الملكية الخاصة)، حسب روسو، إلى ظهور قيم أخرى مثل (الجشع، المنافسة، عدم المساواة..) الشيء الذي أخرج البشرية من حالتها الأصلية (الطاهرة).

وكنتيجة للملكية الخاصة انقسم الناس إلى أصحاب أملاك وإلى عمّال لديهم، مما أوجد نظام (الطبقات الاجتماعية)، أدرك أصحاب الأملاك أنّ من مصلحتهم إنشاء (حكومة) لتحمي ملكياتهم من الذين لا يمتلكونها ولكنهم يعتقدون أنهم قادرون على الاستيلاء عليها بالقوّة، ومن ثمّ تمّ تأسيس الحكومة من خلال (عقد) ينصّ على توفير المساواة والحماية للجميع بلا استثناء، على الرغم من أن الغرض الحقيقي من إنشاء مثل هذه الحكومة هو تكريس (اللامساواة) والتي نتجت عن الملكية الخاصة، الشيء الذي يراه روسو السبب في معاناة المجتمعات الحديثة.

تلك كانت قراءات بسيطة في الواقع وتعقيداته…يحتاج الناس بالتأكيد إلى عقدٍ اجتماعي متجدّد باستمرار، يحفظ ليس فقط الملكية الخاصة – بمعناها المادي – بل حتى ملكية الحق في التفكير والحوار والتوجّه …عقداً يحفظ الخصوصية.. ويرسم الحدود بين الناس، فلا يتجاوز أحدٌ  حدود الآخر.. الحمراء.

شاهد أيضاً

اجتماع مشترك بين وزارتي التربية والتنمية الإدارية لمتابعة تنفيذ مشروع الإصلاح الإداري

شام تايمز – دمشق التقى اليوم الثلاثاء فريق الدعم الفني في وزارة التنمية الإدارية مع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.