الرئيسية » غير مصنف » القول السياسي والمحتوى السياسي..بقلم إبراهيم الجبين

القول السياسي والمحتوى السياسي..بقلم إبراهيم الجبين

بوسع المرء أن يتخيّل الفارق الكبير الذي أنتجته سنواتٌ عجافٌ، ما بين القول السياسي والمحتوى السياسي، وما الذي نشأ عن ذلك من خلق واقع افتراضي عاشته الحركة السياسية السورية بأطيافها، تجلى في فهم تلك الأطياف لبعضها بعضاً وفهم ذاتها أيضاً، بحيث استفاقت يوماً لتجد أنها، غير قادرة على التأثير في الشارع، وأنها ليست ذات قيمة حقيقية في التدوير السياسي للحدث، وأنها تقف على هامشه لتراقب النتائج، ولا تتدخل فيه، وإن تدخلت فإنّ تدخلها ليس بأكثر من تعليق على الحدث وليس صناعة له.

وقد كان لي شرف الفضول في إثارة حوارٍ من هذا النوع ذات يوم، بوجود عدد من قيادات التيارات السياسية والمؤسسات الإعلامية العامة والمستقلة أو التابعة لأحزاب مختلفة، فكان السؤال الذي طرحته: هل الإعلام هو انعكاس ومرآةٌ للواقع السياسي أم صانعٌ له؟!! فجاءت الإجابات متشابهة جداً وتكاد تكون متطابقة، بأن الإعلام دوره عكس السياسات وليس صنعها، لأنه ناطقٌ باسم الفكر السياسي فقط، وليس من صنّاعه، ولم يكن لدي أدنى شك بأن الحوار لن يؤدي إلى نتيجة، لأن التسيّد على الإعلام ممتعٌ لهؤلاء، وتحويله من شريك في التفكير إلى منفّذ للتوجهات، عبدٌ لها، منقادٌ لميولها العريضة، بات هدفاً بحدّ ذاته، وتم تجاهل دور الإعلام في خلق الحياة.

وبات الفارق ما بين القول والمحتوى السياسي، زاوية حرجة جداً، للمجتمعات، لأن القول هو حامل الفكرة، وإن كان مقيداً، ظهرت الفكرة مقيدة، وإن كان مرناً حراً، عبّر عن مرونة الفكرة وانطلاقها، وإن أعلن عن ذاته متخلفاً بدائياً صار الإعلان عن البضاعة فاشلاً في ترويجها، بل يصبح مع الوقت عدواً لها، وهذا ما جنَته يدُ الأطياف السياسية السورية بعد وقتٍ طويل.

وإن فهمنا المحتوى السياسي من القول السياسي الحالي، سنحصل على محتوى غرائبي، لا يسمع بالحداثة، ولم يمرّ عليه دهرُ التنوير، بل هو تعبيرٌ مباشر عن الانفعال الشعوري، سواءً في الحماسة لفكرة أو في الانقضاض على فكرةٍ أخرى، في المفاجأة بحدثٍ وكأن لا مراكز دراسات ولا أبحاث ولا من يحزنون، وكأن لا تثقيف فكرياً أو سياسياً كان ضرورياً، بدلاً من اجترار ما كتبه ودبّجه الأولون الغابرون.

وفي هذا الوقت، يظهر جلياً دور التثقيف الفكري، في شؤون الحياة، وفي شؤون التعاطي السياسي، بعد أن كان التثقيف طيلة الوقت هو معرفة (المفاتيح) وإتقان الصعود على السلالم بين الأفاعي، فأنت بحاجة لمن يؤمن بك وبما تؤمن به من قيم وأفكارٍ حقاً، ولا يكفيك ولاؤه لمصالحه، وما يبدي لك من طاعة، وأنت بحاجة لشريك في التفكير والحوار، بدلاً من حاشية تنحني وتحجب الواقع بظلالها الثقيلة.

في القادم من الأيام سنحتاج الكثير كي نعوّض هذا النقص السوري، في مختلف الاتجاهات، وكي نتدرّب بسرعة على التفاهم فيما بيننا على لغة هادئة، لغة تنتج ولا تحرج، لغة تبني ولا تهدم، فأعظم أهداف اللغة المشتركة هي التواصل وليس التنافر والتباعد، والحوار الذي يشعل العلاقة ما بين الناس ليس حواراً بل هو تصادم، وهذا ما ينقص الأطراف جميعها.

القدر السوري، أن يكون إنساننا مثقفاً، وحين عطّلنا هذا وعملنا على إهماله، حصلنا على كائن مختلف، لا يحمل الحضارة كما كان، بل يفوته ركبها الواسع، ولكن هذا يجب تداركه والتخلص السريع منه، واستبداله بالواقعية السياسية، بدلاً من الإنكار والطوباوية، فبالواقعية يمكن التعرف إلى الواقع الداخلي والخارجي، وفهمه جيداً ومعالجته والتعايش معه.

شاهد أيضاً

اجتماع مشترك بين وزارتي التربية والتنمية الإدارية لمتابعة تنفيذ مشروع الإصلاح الإداري

شام تايمز – دمشق التقى اليوم الثلاثاء فريق الدعم الفني في وزارة التنمية الإدارية مع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.