الرئيسية » رياضة   » حارس المرمى .. بقلم ناصر نجار

حارس المرمى .. بقلم ناصر نجار

وقفت أترقب ما حولي.. كلهم مسرورون إلا أنا؟!
الجميع يراقب ويتابع هذه الكرة المجنونة التي تطير وتعلو ثم تهبط من جديد على الأرض فتتقاذفها الأرجل يمنة ويسرة وتعود مرة أخرى لتطير وهكذا، حتى تنتهي المباراة وقد شطرت الملعب إلى شطرين واحد حزين والآخر سعيد.

بقيت على دكة الاحتياط أراقب مدربنا علّه ينظر إليّ فيتذكرني فأدلي بدلوي بين هؤلاء اللاعبين لكن دون جدوى، يا له من مدرب أبله لا يفقه شيئاً بكرة القدم!
سجل فريق مدرستنا هدفاً وحمي الوطيس واشتدت حرارة المباراة، ثم أتبعه بهدف آخر من صنع برازيلي، من جماله بقي في ذاكرتي حتى الآن!
فرجت أخيراً عندما أشار لي المدرب بالنزول إلى الملعب، كان الشوط الأول قد تجاوز نصف مدته الزمنية وفريقنا متقدم بهدفين، ظننت أن مدربنا أبصر النور أخيراً، فأراد أن يعزز هجوم فريقنا بشيطان مثلي، لكن المفاجأة أن كابتن الفريق أشار لي بالوقوف مكان حارس المرمى الذي أصيب وخرج من الملعب غير مأسوف على صحته، الفريق الآخر تعمد إصابة حارس المرمى فخروجه من المرمى يعني بلوغ المراد، وهو بمنزلة فيزا العبور نحو مرمانا.
ندمت لأنني غيرت نظرتي بالمدرب ولو للحظة، يا له من أرعن؟! هل أصلح أن أكون حارساً للمرمى؟! قد أحلم أن أكون مثل ياشين أو سيب ماير لأملك هذا الطول الفارع أو تلك الرشاقة والخفة، أما حقيقةً فأنا لا أصلح حارساً لبيت مهجور!!
للتو شعرت أنني ضائع فأنا أحتاج لوسيلة مواصلات كي أصل من القائم الأيمن إلى الأيسر، وقد أحتاج لسلم لأصل إلى العارضة، ماذا عساني أن أفعل وقد فرض عليّ هذا المركز فرضاً وأنا أكرهه كرهي لمدربي؟؟
حاولت أن أسلي نفسي ببعض التركات من الكلمات التي تكون بمنزلة شحنة معنوية، لكنني لم أقتنع بكل هذه المفردات التي ركبتها، ولم أستسغ كل كلمات الإطراء من مدربنا المجنون الذي حاول أن يضحك علي بها لأستبسل استبسال الفئران بمواجهة قط شرس، وعندما حاولت أن أتعايش مع مركزي الحقير كانت الأهداف تنهمر عليّ مثل زخ المطر، فخرجنا خاسرين الشوط الأول ببضعة أهداف.
في استراحة المباراة كانت توجيهات مدربنا مثل النعيق لم أفهم منها حرفاً واحداً لكنني ما أتذكره أنه قال لي: لو بقي لدي لاعب واحد لأخرجك من الملعب الآن!
للأسف كل اللاعبين طفشوا من الملعب خوفاً أن يكون أحدهم بديلاً مني، فيتبهدل كما تبهدلت!
سيناريو الشوط الثاني كان مثل سابقه و«حبتين زيادة»، والنتيجة كانت كبيرة، وكل ما أذكره أنني دخلت موسوعة غينيس باثنين وعشرين هدفاً خزقوا شباكي؟! هل هذا مدعاة للفخر أم ماذا؟! لا أدري!!
منذ ذلك الوقت قررت أن أهجر ملاعب كرة القدم وأن أعتزل قسرياً احتجاجاً على الظلم الذي لحق بي، فما دام اللاعب المناسب بمكانه غير المناسب لا يمكننا أن نحصل على نتيجة رياضية!!
ورغم اعتزالي الذي كان قمة هذا الاحتجاج، إلا أن القائمين على الرياضة لم يعتبروا ولم يعيروا قيمة لهذا الرفض فاستمروا بتبديل مراكز اللاعبين وتمرير بعض المحسوبين حتى انقلبت كرتنا رأساً على عقب فتراجعنا حتى وصلنا إلى الدرك الأسفل من اللائحة وها هي دول عديدة كنّا نعلمها الكرة فصارت الآن أكبر منا بسنوات ضوئية!
هذا المرض استشرى بل صار طاعوناً نهش جسم رياضتنا، لم تقتصر هذه الفوضى على اللاعبين بل صارت عنواناً لكل موقع رياضي، فهرب المتفوقون واعتزل الموهوبون، وصارت رياضتنا تسير بلعنة المدعومين، سرقوا فرحة الناس وجيوبهم وهدوا أركان الرياضة وأصولها وابتدعوا بطولات خلبية يتصورون فيها ويشبعون سياحة وسفراً وصرنا نحلم بفوز على اليمن وهدف بمرمى لبنان وجزر القمر.
لا شيء يغريك الآن بمتابعة الرياضة وقد صارت بؤرة فساد يعشش على عفنها الوصوليون من أصحاب الذوات الاختصاصيين بتمسيح الجوخ والمبدعين بالركوع والسجود لغير الله.
سئمت الرياضة منذ نعومة أظفاري، ورغم حبي الكبير لها ومحاولتي متابعة أخبارها وأحوالها، إلا أنني اصطدمت بماض أغبر وواقع أكثر اغبراراً وضبابية سوداء، منذ تلك اللحظة التي لعبت فيها حارساً للمرمى وأنا (القصير) لعنت نظرة القائمين على الرياضة فأيقنت أن نظرتهم آنية وأنانية ليس فيها منطق ولا أدنى حدود للتفكير والبصر..
ألعن حراسة المرمى لأنني أعتقد أن هذا المركز عقوبة لصاحبه، فهو المسؤول عن خسارة الفريق، وهو المسؤول عن أخطاء اللاعبين، فمن يخطئ فلا بد من ركلة جزاء، فيعاقب الحارس على خطأ لم يقترفه، إنه المنحوس المظلوم، تصوروا حتى الأرض التي تحت قدميه تفتقر للخضرة، على حين ينعم كل اللاعبين باخضرار الملعب في كل أركانه، أليست مفارقة غريبة أم إنها مقصودة؟!
حارس المرمى المظلوم هو نموذج لرياضتنا التي ظلمت بعد أن أودعوها أمانة لأناس لم يحفظوها، بل عاشوا سنوات عمرهم على ألقابها وصنعوا مجدهم على أنقاضها، أتعبوها كلاماً وأشبعوها مزاودات فلم نحصل إلا على الفتات.
خانوا قدسية الرياضة وشرفها بعد أن صنعوا شعاراتها فمسحوا بها أحذيتهم وركلوا بها من تفوق وأبدع.

شاهد أيضاً

تعيين مدرب جديد للمنتخب الهولندي خلفا لكومان

أعلن الاتحاد الهولندي لكرة القدم الأربعاء تعيين المدافع الدولي السابق فرانك دي بور مدربا جديدا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.