الرئيسية » ثقافة وفنون » أدب » جواهر لال نهرو .بقلم : د . مازن يوسف صباغ

جواهر لال نهرو .بقلم : د . مازن يوسف صباغ

رغم إن المهاتما الروح العظمى – غاندي يعتبر الأب الروحي للأمة الهندية، إلا أن البانديت (المعلم) جواهر لال نهرو يعتبر الأب العملي والفعلي للدولة الهندية الحديثة، فهو الذي قاد النضال السياسي لتحرير الهند من الاستعمار البريطاني بتوجيه من أستاذه ومعلمه المهاتما غاندي، وهو الذي تولى الجوانب الإدارية والتنظيمية التي أدت إلى بناء الدولة الهندية المستقلة، وحظي نهرو بالشرف الرفيع في رفع علم الهند المستقلة في نيو دلهي في 15 آب 1947، عندما حصلت الهند على استقلالها.

ولد جواهر لال نهرو (والذي يعني اسمه باللغة الهندية الجوهرة الحمراء) في 14 أيار/مايو عام 1889 في مدينة الله آباد لمحامي كشميري ثري من طبقة البراهما أرسله إلى بريطانيا ليدرس القانون، حيث درس في مدرسة هارو وهى مدرسة مستقلة للبنين، تلاها كلية ترينيتي في جامعة كمبردج وعاد لبلاده بعد أن أتم دراسته وطاف في دول أوروبا مما زاد من أتساع أفقه، ولكن أصبح بعيدا عن الثقافة الشعبية والدينية الهندية، على عكس زوجته الهندوسية المتدينة.

بعد عودته للهند لم يتجه إلى العمل الحقوقي بل إلى السياسة وأعجب بغاندي وتتلمذ على يديه سياسيا ودينيا وأصبح مواظب على أداء اليوجا وقراءة الكتب الهندوسية المقدسة، ونبذ الملابس الأوروبية وارتدى الملابس الهندية وأقنع والده وبقية عائلته بذلك، وانضم عام 1919 إلى الحركة الوطنية بعد مذبحة امريتسار المروعة.

نشط نهرو في حركة استقلال الهند عن الحكم البريطاني، وعمل من ضمن حزب المؤتمر الهندي وتعرض للاعتقال من قبل سلطات الاحتلال البريطانية مرات عدة ثمان مرات خلال أعوام 1920 – 1928، وخلال أعوام 1942 و1946، وأصبح في خاتمة المطاف زعيماً لحزب المؤتمر الهندي أكبر وأهم الأحزاب الهندية الداعية للاستقلال، وتم الإفراج عنه من السجن من أجل أن يحضر مؤتمر لندن الذي أقر مبدأ استقلال الهند،

وتم اختياره ليكون أول رئيس وزراء للهند المستقلة في 15 آب/أغسطس 1947 واستمر في هذا المنصب حتى وفاته، وواجه المشاكل التي رافقت استقلال الهند من العنف الطائفي والأثني وتقسيم شبه القارة الهندية إلى الهند وباكستان وفيما بعد بنغلادش والحروب التي تلت بين البلدين وخاصة أزمة كشمير والتي ظلت معلقة لليوم.

كانت التركة التي ورثتها الهند من قرون من الاستعمار البريطاني ثقيلة جداً، حيث كانت الفقر والجهل والتخلف وشبح المجاعة والنظام الطبقي ينخر عميقاً في جسد الأمة والدولة الهندية، وعمل نهرو بجد من أجل حل هذه المشاكل حيث أولى اهتمامه الأول إلى التعليم حيث نجح في مشروع التعليم الإلزامي لأطفال الهند كافة وسعى جاهداً من أجل تحرير المرأة الهندية من حالة شبه العبودية والتبعية للرجل التي تركتها المعتقدات الموروثة المتخلفة للمجتمع الهندي، كما حاول تأسيس نهضة علمية وأكاديمية عبر إنشاء العديد من المؤسسات الحكومية في هذا المجال مثل مؤسسة عموم الهند الطبية، والمعهد الهندي للتكنولوجيا.

وفي مجال التنمية المستدامة للهند سعى نهرو لجعل الهند دولة نووية لحل مشكلة الطاقة في البلاد، وعمل على إيصال الكهرباء إلى العديد من مناطق الهند المحرومة، كما شجع الصناعات الثقيلة في المراكز المدنية الكبرى، والصناعات المنزلية الصغيرة في الريف الهندي،

واستطاع تحقيق نسب نمو ثابتة للهند، وهو كان يؤمن أن الهند بما تملكه من امكانات وموارد طبيعية وديمغرافية تستطيع أن تكون القوى الاقتصادية الرابعة في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي (سابقا) والصين، وتدين الهند بالكثير من نهضتها الاقتصادية والثقافية التي تعيشها اليوم إلى أيام حكم        جواهر لال نهرو وعقليته وذهنيته العلمية المتفتحة والمتمدنة.

كان نهرو أحد الشخصيات الهامة في السياسية العالمية، فكان المنظر الرئيسي لحركة عدم الانحياز التي أنشأها بالتعاون من جمال عبد الناصر وجوزيف بروز تيتيو وأحمد سوكارنو، بل أن مصطلح عدم الانحياز كان من صياغة نهرو في خطاب شهير في مؤتمر باندونغ حيث أكد أن عدم الانحياز ليس موقفاً سلبياً بل هو هوية سياسية بحد ذاته.

كما كان نهرو صديقاً للعرب وقف إلى جانبهم خلال صراعهم مع الكيان الصهيوني ورفض إقامة علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل، وكان من أكبر أنصار القضية الفلسطينية في العالم حيث اعتبر كما معلمه وأستاذه المهاتما غاندي أن طرد الشعب الفلسطيني وانتزاعه من أرضه وإعطائها لليهود إنما هو جريمة أخلاقية كبرى.

أنجب نهرو ابنة واحدة هي السيدة أنديرا غاندي التي تزوجت من السيد فيروز غاندي (لا يمت بصلة القرابة إلى المهاتما) وكانت أنديرا المساعدة المقربة لوالدها وقامت بمهام الإدارة الضيافة في منزل والدها زعيم الهند بعد وفاة والدتها كمالات المبكرة وشغلت منصب وزارة الخارجية ومن ثم تولت منصب رئاسة الوزراء بعد وفاة والدها وخلفت خليفة والدها لال بهادور شاتري واستمرت برئاسة الحزب والحكومة حتى اغتيالها عام 1984، ليخلفها بدورها ابنها وحفيد البانديت نهرو راجيف غاندي الذي ظل أيضا رئيساً لوزراء الهند حتى اغتياله في 21 أيار/ مايو 1991، وقبلها كانت قد سقطت طائرة بشقيقه سينغ.

لا تزال عائلة نهرو – غاندي فاعلة في الحياة السياسة الهندية حيث تشغل أرملة راجيف غاندي الإيطالية الأصل سونيا  رئاسة حزب المؤتمر الهندي فيما ينشط ولدها راجيف الابن في الحياة السياسية الهندية محافظاً على مسيرة العائلة في الخدمة العامة الوطنية لشعوب الهند وتطلعاتها.

كان نهرو كاتبا غزير باللغة الإنجليزية وألف العديد من الكتب، مثل كتاب «اكتشاف الهند» و«لمحات من تاريخ العالم». بالإضافة إلى سيرته الذاتية بعنوان  «نحو الحرية» التي نشرت منها تسع طبعات في سنة 1932 وحدها، وكتاب خطابات إلى ابنتي.

توفي البانديت جواهر لال نهرو في 27 أيار/مايو 1964 وتكريماً لزعيم الهند الخالد وفي ذكرى يوم ميلاده الخامس والسبعين أعلن الرئيس الهندي «سارفابالي راداكشنان» افتتاح متحف نهرو ليكون مركزا توثيقياً لحياة نهرو وتم افتتاح المتحف في 1-9-1966، كما تم إنشاء جامعة تحمل اسمه في مدينة نيودلهي عام 1969.

وقد قامت سورية تخليداً له بإطلاق اسم جواهر لال نهرو على أحد الشوارع المهمة في العاصمة دمشق، وكذلك جرى الحال في العديد من عواصم العالم ومدنها.

شاهد أيضاً

ياسر العظمة.. بسيف الفصاحة من جديد أطل

شام تايمز – دمشق – آمنة ملحم بلسان حال المواطن السوري، وبكلمات سكبت ملحاً على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.