الرئيسية » news bar » قراءة استباقيّة في قانون الانتخاب الجديد : المهندس وضـّـاح صـائـب

قراءة استباقيّة في قانون الانتخاب الجديد : المهندس وضـّـاح صـائـب

يبدو في الأفق أنّ مشروع قانون الانتخابات الجديد، الجاري إعداده حاليّاً، من قبل لجنة مختصّة، لن يطرح للنقاش العام، مثلما طُرِحَ مشروع تعديل قانون الإدارة المحليّة، رغم أهميّة هذا القانون وضرورته..

لكنّ أوّل الأخبار والتسريبات، عمّا يدور في كواليس اللجنة، وفي رؤوس أعضائها، من توجهات ورؤى، حسبما أوردت بعض المواقع من تصريح للأستاذ الدكتور محمد الحسين عميد كليّة الحقوق وعضو لجنة الصياغة، يبدو مطمئناً في جانب منه، ومقلقاً في جانب آخر، بما يستدعي التنادي إلى مناقشة الخطوط العريضة والعموميّات، مع توقعنا باستمرار غياب التفاصيل ومسودة النص الحرفي، ذات الأهميّة القصوى، من حيث أنّ الشيطان يكمن عادةً في التفاصيل…

النقطة الأولى هي أنّ ( اللجنة ستعتمد معاييراً عالميّة، وقوانين انتخاب من مختلف تجارب العالم)، مع الإشارة للخبرة القانونيّة لأعضاء لجنة الصياغة، وما لديها من معلومات حول تشريعات الممارسة الديمقراطيّة…

هذا هو العنوان الأهم، وهو ما يعوّل عليه المواطن، ويرغب في يسود فعلاً على كلّ بنود ونصوص القانون، دون أن يكون مجرّد عنوان للاستهلاك الإعلامي، فالحديث عن معايير عالميّة هو حديث مطمئن ومبشّر بالخير، شريطة أن لا يتم اجتزاء وتشويه هذه المعايير، بحجّة توفيقها مع خصوصيّات واقعنا، فتخرج عرجاء مشوّهة، أمّا الحديث عن قوانين انتخاب من مختلف تجارب العالم، فهو أيضاً حديث جميل لكنّه عنوان عريض حمّال للأوجه، فإذا كان المواطن لا يطمح في المرحلة الحاليّة إلى قانون انتخاب يضاهي قوانين السويد أو بريطانيا مثلاً، فإنّه يأمل أن لا يخرج بما يضاهي أو يشابه قوانين الانتخاب في كوريا الشماليّة أو كوبا مثلاً، فهذه أيضاً يمكن اعتبارها من تجارب دول العالم، مع كلّ الاحترام للجميع..

النقطة الثانية، أنّ القانون سيقدَّم “بشكل مجرّد”، لا يأخذ في الاعتبار مبدأ الحزب الواحد، أو حصّة أحزاب الجبهة، على أساس أنّه قانون انتخابي يصلح للتطبيق بصرف النظر عن التشكيلة الحزبيّة التي سيفرزها قانون الأحزاب القادم،  ممّا سيعني آليّاً أنّ المادة الثامنة من الدستور، والتي تنص على أنّ حزب البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع، قد انتهت عمليّاً..
كلام رائع، وهو أساس ما يطمح إليه المواطنون، أمّا أنّ المادة الثامنة من الدستور ستكون قد انتهت آليّاً، فهذا نصف الكلام، ونصفه الآخر هو المبادرة إلى تعديل الدستور، بإلغاء المادة المذكورة، والنص على أن يشكّل الحكومة الحزب الذي سيمتلك الأغلبيّة النيابيّة، أو تحالف أكثر من حزب لتحقيق هذه الأغلبيّة..

ثمّة مقترح هنا، أن تُغتنَم فرصة تعديل القانون، لإلغاء تسمية “مجلس الشعب” سيء الصيت والسمعة، والتي جرى استيرادها من تجربة كوريا أو فيتنام سابقاً، واستبدالها بتسمية “المجلس النيابي” أو “مجلس الأمّة”، لترسيخ إحساس المواطن بأنّ البلد دخل مرحلة جديدة، شكلاً وموضوعاً…

تبقى النقطة الثالثة، وهي نقطة خطيرة لابدّ من الوقوف عندها، فقد أشار السيّد عضو اللجنة إلى “توجّه يميل إليه شخصيّاً مع عدد من أعضاء اللجنة”، وهو إعطاء العمّال والفلاحين حصّة لا تقل عن 50% من عدد أعضاء المجلس، واعتبر أنّ “هذا برأيه عادلٌ”.
نحترم رأي السيّد العضو، وآراء زملائه الكرام، ونقدّر لهم تصديهم لمهمّة تتماثل صعوبتها مع أهميّها وضرورتها، وهي مهمّة ستؤسّس لشكل مستقبل الوطن، ممّا يلقي على عاتقهم مسؤوليّة كبيرة ستقدرها لهم الأجيال..

نحترم أيضاً شريحتي العمّال والفلاحين، فهم آباؤنا وأهلنا، وعماد بناء الوطن دونما شك، لكنّ الاعتراف بدورهم الهام وما يستحقونه من تقدير واعتبار، شيءٌ، والإتيان بهم كأكثريّة في مجلس مهمته الأساسيّة التشريع لبناء الوطن، اقتصاديّاً وثقافيّاً وقانونيّاً وإداريّاً، و…و، شيءٌ آخر مختلف كليّاً…

فكرة تمثيل العمّال والفلاحين بنصف عدد أعضاء المجلس النيابي، تتناقض مع الحديث عن معايير عالميّة، وهي من بقايا تجارب محليّة وعالميّة فاشلة، هي بالأساس فكرة طوباويّة جاءت بها الأحزاب التي ادعت الاشتراكيّة والثوريّة، وقد دفعت كثير من البلدان ثمناً غالياً على امتداد عقود، لتكتشف مأزقها وقصور رؤيتها، ولم تكن المثاليّة الثوريّة وحدها دافع تلك الأحزاب لهذا الشطط، بقدر ما كانت، عن قصد أو غيره، تريد تحقيق غرضين لا وطنيين، أولهما موازنة تأثير الطبقة الوسطى التي كانت صاحبة القرار في سياسات البلد، والثاني استغلال هاتين الشريحتين في تمرير سياساتها، من خلال التأثير على أفرادها نصف الأميين، وترغيبهم بامتيازات تتجاوز واقعهم، ولعلّ تجربتنا الغنيّة السابقة قد أرتنا أنّ أحداً من الفلاحين الذين مرّوا على المجالس المتتالية، لم يلتزم أرضه ومصالح شريحته، بقدر ما سكن المدن وتحوّل إلى صورة مشوّهة عن مسؤول ضائع الهويّة، ونحن هنا لا نوجّه انتقاداً بقدر ما نقرّر واقعاً، وبناء الأوطان يستلزم الجديّة وتفادي المجاملات الطوباويّة..

منذ أن عممّت الدولة التعليم في سائر مدنها وقراها، كانت شريحتا العمّال والفلاحين هما الشريحتان الأسرع لاستثمار هذه الفرصة بحماس وجديّة، وسعتا لتعليم أبنائهما ودفعت بهم إلى أعلى مراتب العلم، فتحوّل هؤلاء إلى الطبقة الوسطى، وباتوا مشاركين فاعلين في سائر مفاصل الدولة، مبتعدين شكليّاً عن الانتماء إلى الشريحتين، وإن بقوا فعليّاً مرتبطين نسباً واهتماماً وتواصلاً، وهؤلاء سيكونون خير ممثلين للشريحتين الكريمتين، دون أن يصنّفوا كذلك من خلال جداول انتخابيّة بائسة…

من ناحية ثانية، يفترض بالمشرّع ألا يغفل ترابط هذا القانون مع قانون الأحزاب العتيد القادم، وبالتالي فعليه أن لا ينسف أسسه مسبقاً، من حيث أنّ تأسيس أحزاب فاعلة، لا صورية كما لدينا اليوم، سيؤدي بالضرورة إلى الاهتمام بمصالح هاتين الشريحتين الكبيرتين، اللتين ستشكلان هدف أيّ حزب يسعى لكسب بعض الجماهيريّة التي ستدفع بممثليه إلى كراسي المجلس النيابي، وهو بالتالي مَن سيأتي بمن يمثل هاتين الشريحتين، أمّا أن نحصر الأحزاب منذ الآن بنسب تمثيل محدّدة، فهذا وأد مسبق لآليات عمل هذه الأحزاب، وتسفيه للتطلعات الديمقراطيّة للمواطنين..

ليس من حق أحد وحده الإدعاء بالحرص على مصالح هاتين الشريحتين، فالجميع وطنيّون وحريصون على الوطن بكافة شرائحه، وإنّ تقييد المناخ الانتخابي للمرحلة القادمة خطأً لا يغتفر، وهو تفخيخ مسبق للقانون، سيكرّر تجاربنا مع المجالس السابقة عديمة الفاعليّة، التي ربّما أجادت التصفيق والهتاف، لكنّها عجزت عن التشريع السليم لوطن يستحق الأفضل…

شاهد أيضاً

“حماة” تستعد لتوزيع الخبز عبر البطاقة الالكترونية

شام تايمز – حماة أكد مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حماة “زياد كوسا” أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.