الرئيسية » مجتمع و صحة   » البحث عن البرنامج السياسي:إبراهيم الجبين

البحث عن البرنامج السياسي:إبراهيم الجبين

أصاب الحياة السياسية السورية الكثير من الركود والخلل، طيلة سنوات، اقتصر فيها العمل (السياسي) على الاجتماعات والتنسيب والغرق في التفاصيل الإدارية والتنظيمية للأحزاب، ومكاسب تلك الأحزاب، أو خسائرها ضمن مشهد عام رمادي كان عليه أن يتجدّد كي يتيح الفرصة لمعنى النشاط السياسي كي يبرز بشكل أوضح، وأكثر حداثة.

وهكذا لم يعد يهتم السياسيون أو العاملون في الحقل السياسي، بأكثر من ترتيبات البيوت الداخلية، وعلاقتها مع الحكم، من جهة، وعلاقتها مع الشارع من جهة أخرى، الحكم كسلطان مهيمن، أو كشريك محتمل، والشارع كهدف لكسب أصوات رقمية، لا أكثر، قد تزيد من حظوظ حزب سياسي ما في الحصول على قطعة من الكعكة.

وبينما بقي النشاط السياسي مهملاً، تعشش عليه العنكبوت، بهتَ دور السياسة في الحياة، وتحوّلت من نشاطٍ حيوي ذكي، يعتمد المهارة لتحقيق الأهداف، إلى فعلٍ ثقيلٍ، اعتمد في وجوده وحضوره على الالتفاف والمحسوبيات، والصفقات التي تقودنا إلى نوع آخر من الفساد غير الذي يتحدّث عنه الجميع… (الفساد السياسي)، وهو العضال الذي أصاب الحياة السورية، وسحب منها روحاً حقيقية، تحتاجها وتتطلبها، كلّ لحظة، يمثّلها معنى أن تكون سياسياً، ويمثّلها واجبك كسياسي، وحقوقك كسياسي، ولكن وقبل كل تلك التفاصيل…برنامجك السياسي.

وفي الحديث عن البرنامج السياسي لأي حزبٍ كان، أو تنظيم أو جماعة، عليك أن تقرأ التفاصيل، لتعرف ماذا يريد هؤلاء في ذلك التكتّل السياسي؟ لتعرف ما الذي عليك أن تمنحهم، أو لتعرف هل ستتوافق معهم مصالحك، أم ستتناقض، وهل سيشكلون تهديداً للمساحة التي تحتلها في الحياة السورية (مصدر الشريعة) أم أن لديك معهم براحاً في الساحة.

ولما كانت البرامج السياسية مجرّد ورقة شكلية يرفقها طالبو الحصص، والمكاسب، أو أولئك الذين لم يقبضوا سوى على الريح طيلة عقود، انفصل الناشطون عن مصدر الشرعية، وصارت الحياة السياسية السورية مجرد حياة افتراضية، سبقت الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، بكونها صنعت عالماً مختلفاً، قائماً على الصراعات والتوافقات والتحالفات التي تجري بعيداً…بعيداً جداً عن الشارع.

بالتأكيد.. يسأل الشارع عن البرنامج السياسي، الذي يوضّح الخطط، والأهداف من العنوان الذي يندرج تحته النشاط السياسي لحزبٍ ما، ويريد أن يعرف كيف سيقوم هذا الحزب بحماية مصالح المجتمع، أو على الأقل تلك الفئة المجتمعية المنضوية تحت ذلك العنوان، ويريد الشارع أن يرى الجديد في اللغة السياسية، التي عليها أن تحمل أفكاراً عن حياة الناس وأطفالهم وشبابهم، وتجارتهم، ومساكنهم، وصحتهم، وكل ما يرتبط بهم، ويريدون حرية التعبير، ليس من أجل التعبير فقط، لا من أجل الحديث عن كل تلك الشؤون، لإزالة الغموض عن المشاريع والبرامج السياسية، ولخلق رقابة مجتمعية عبر الرأي الآخر، تضمن عدم تضخّم الفساد والترهّل والخطأ وتسرطنه، وتحوله إلى ظاهرة لا يمكن علاجها ولا التحكم بمسارها وحجمها لأنها تسرح وتمرح بلا رقيب، والرقيب ليس المؤسسة الرسمية، بل الحرية ذاتها، بمعناها البسيط الواسع.
فقد السوريون المهارة السياسية؟!

ربما.. ولكن سرعان ما ستعود إليهم، بوعي اللحظة، وهم يملكون ما هو أخطر من المهارة، تجسّد في تاريخهم القريب، بابتكار الفكرة السياسية، والدعوة السياسية، والفلسفة السياسية، وهم ذاتهم من ألهَم الشعوب العربية في أكثر من بلدٍ مساراتٍ قادت تلك البلدان وصنعت تاريخها، من مصر العشرينات والثلاثينات التي تأثرت بأفكار السوري محب الدين الخطيب، إلى ساطع الحصري، إلى الأرسوزي، ونقل الفكر العروبي، والثورة على الواقع، والانقلاب عليه، في الثورة الناصرية…إلى العراق، إلى الأردن والجزيرة العربية…وشمال إفريقيا والمغرب العربي.

لنبحث إذاً.. في البرنامج السياسي للنشاط السياسي السوري بأطيافه.. فهو مطلب الناس.

الأزمنة 258

شاهد أيضاً

دراسة تحذر: المناعة ضد فيروس كورونا قد تستمر بضعة أشهر فقط بعد الإصابة!

قدّرت دراسة أجرتها “إمبريال كوليدج” لندن، أن 4.4٪ فقط من البالغين لديهم شكل من أشكال المناعة ضد “كوفيد-19” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.