الرئيسية » غير مصنف » وادي المسك في جماهيرية القذافي بقلم: زياد العيساوي

وادي المسك في جماهيرية القذافي بقلم: زياد العيساوي

المجتمع الليبي في عهد “القذافي” هو صورة مطابقة بالتمام والتفصيل لسيناريو رائعة الأديب السوري الراحل “محمد الماغوط”، الذي نسج من أدبه الراقي، حدوثة مسلسل “وادي المسك” واختار بكل عناية، شخوصَ حبكته الدرامية، برسمه للمجتمع الخلاق، الذي كان يعيش في دعة وسلام واطمئنان وفقاً لنظام اجتماعي سليم، يعرف فيه كل مواطن من تلك الحارة حقوقه والواجبات المنوطة به، ودوره في هذا النسيج، الذي استمر على ضوابطه، سكان هذا الحي النموذجي، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، حتى صارت سيرة كل واحدة منهم عطرة مثل المسك، وربما تسمية المسلسل بهذا الاسم، أتت من هذه المرجعية، إلى أنْ قدم إليه شخص من خارجه، مزيف ومنتحل لشخصية أحد أبنائه (غوار الطوشه)، في هذا النسيج الاجتماعي، كان الشخص المؤهل في مكانه المناسب، ما أدى إلى خلق هذه الحالة التوافقية بين أفراده، فلا يُضام أحد ولا تصادر حقوقه، وينام وهو مطمئن البال على نفسه وممتلكاته.

على هذا الواقع، استمرت وتيرة الحلقات الأوليات من المسلسل، بإبراز الصورة المشهدية الرائعة، التي يسير عليها أهل هذا الوادي بالتراحم والتوادُّد فيما بينهم وإنزال الناس منازلهم، إلى أنْ هبط من الطائرة منتحل شخصية ابن الوادي (تكميل) وقبّل أرض الوطن، فانطلقت زغاريد شقيقته (كوكب/منى واصف) وصهره (المحترم/رفيق سبيعي) على هذه الفعلة النبيلة، التي تدلُّ على أصالة منبته ووفائه لتراب بلاده، وعلى الرغم من غيبته الطويلة، والبحبوحة التي عاد بها، إلا أنه رجع وهو يرتدي ملابس الوادي الشعبية ويضع عمامة على رأسه، فأكبر فيه سكان الحي هذه الخصلة النبيلة، واستقبلوه بــ “العراضة”: “أهلا وسهلا باللي جاي”، وهو نمط من الفنون الشعبية السورية، قريبٌ في إيقاعاته وأدواته من فنِّ (الغيطة) لدينا، وقبل حتى أنْ يخرجوا من المطار في سبيل عودتهم إلى الوادي، قام بتوزيع الهدايا على شقيقته وصهره وكل من استقبله، ووعدهم بالخير الوفير القادم وراءه، حينما يصل الشحن من بلاد الغربة التي عمل فيها لأكثر من عشر سنين.

وفي أول حلقة بعد وصوله إلى الوادي، قام “غوار الطوشه” المزيف “تكميل” بمحاولة التغلغل والانخراط في نسيج المجتمع والانصهار مع أفراده، ومعرفتهم عن قرب، بناء على تفاصيل شخصية كل واحد منهم، مما وصل إليه من خلال علاقته بـ”غوّار” الذي عمل معه، حتى استطاع أن يُبدّد شكوك خطيبته “يسرا” في شخصيته بعد أكثر من موقف تنكر فيه لذكرياتهما معاً منذ صباهما، وهي التي طال بها انتظارها له.

ومع تسارع الأحداث، استطاع تكميل أنْ يختبر نقاط الضعف في شخوصهم، ولكي يمرّر مشروع إفساده قرّب إليه القلة القليلة من أبناء الحارة خصوصاً من المجرمين والمرتشين، وكان على رأسهم “أبو عنتر” الحرامي الملقى وراء قضبان السجن بتنفيذ (المحترم) وبقرار من المجلس البلدي للوادي، لأنه على الدوام يخلّ بلائحة القوانين المعمول بها، ويخترق الناموس العرفي المعتمد في هذا الوادي، فعمل “تكميل” على إخراجه تحت ذريعة دراسة نفسانية قام بها لهذه الشخصية، وطلب من المجلس البلدي العفو عنه للاستفادة من كل القدرات المعطلة، لأجل تحريك دولاب التطور والنهوض بالمجتمع الناهض أصلاً، غير أنّ “المحترم” تصدى لـ”تكميل” فيما بعد من دون إعلان ذلك، ولكن من خلال مناهضته لأي قرار جديد يمسُّ بقدسية الدستور الشرعي أو يعدّل في مواده، ما جعل “تكميل” يحيك الدسائس، حتى عمل على تغييبه وراء قضبان النسيان والتجاهل، لأنه العقبة التي تقف حائلاً دون تطلعاته الشيطانية، وما أن تمّ له ذلك، عمل على أنْ يسلم دفة الأمن لهذا المجرم، ويجري انتخابات غير نزيهة، ليصل مرشحه ورجله المفضل “ياسينو/ياسين بقوش” الساذج إلى تولي سيادة المجلس البلدي، حتى يكون واجهة قانونية صورية لتسريب خططه ومشاريعه الفاسدة، ونفث سمومه في أوصال المجتمع، فتعفن هذا الوادي وصارت رائحة مسكه نتنة، وتداعت أركان السلم والأمن والشرف فيه، واستتبّ- من ثم- الأمر كله لـ”تكميل” وزمرته من الأذناب التابعة له، إلى أنْ اكتشف حقيقته ذلك الببغاء، الذي تربطه علاقة صداقة وطيدة مع “غوّار الطوشه” الحقيقي والمغيب، وفضح أمره، وعاد “المحترم”، وهو ينشد في أزقة حارة وادي المسك: “هيلا يا واسع.. هيلا هيلا”.

الحياة في حارة “وادي المسك” قبل وبعد مجيء “تكميل” تشبه كثيراً حياة المجتمع الليبي، قبل وبعد استيلاء “القذافي” على السلطة، وإليكم الشواهد الدالة على ذلك:

قبل الانكلاب المشؤوم، كان لبلادنا دستور وضعي رفيع، استبدله “اللي ما يسمّى” بقانون وضيع، لم يستند إلى أية قواعد تنظيمية وتسييرية حكيمة، ولم تـُبتنَ وفق عقلية قانونية تريد بالبلاد خيراً، وإنما لتكون واجهة لتمرير حزمة من القرارات، التي تخلد الزعيم الأوحد على سُدة الحكم في ليبيا، وما فعله “القذافي” لأجل ذلك، يتماهى كثيراً مع سياسات وخطى “تكميل”، فالقذافي أقصى قصياً كل وطني شريف عن أي منصب، إما بإقعاده مع أهله في بيته والحجر على رأيه، أو بنفيه إلى المهجر، أو بإعدامه وبإلقائه في غياهب ودهاليز السجون، بعدما أفرغها ممّن هم أهلٌ لها من المسجونين وزبانيته، وسرعان ما أمّنهم على الحقائب الوزارية السيادية في أعلى سلطة تنفيذية، وسلمهم أمر البلاد والعباد، أي مثلما عمل “تكميل” مع “أبو عنتر” و”ياسينو”، كما أنهما انتهجا خطة اقتصادية واحدة، أرادا بها إفساد الواقع الاقتصادي، بالتمهيد لسياسة اقتصادية لم تتحدد ملامحها، ما إذا كانت تسير على القاعدة الرأسمالية الحرة أم الاشتراكية الشيوعية، فخرجت ظاهرة الطوابير وازدحام الناس عليها، ومثلما حدث مع “أبو قاسم” في مسلسل وادي المسك، حينما اعترض على قانون (تحميل) المواد الاستهلاكية، وإجبار المواطن على شراء غرض آخر ملازم له، هو من الكماليات وربما من الترف اقتنائه، حدث الشيء نفسه مع أحد الليبيين في فترة الثمانينيات من القرن المنفرط، وسأروي لكم تفاصيله، فلما أُلزم بائع الخيار “أبو قاسم” بشراء (مايوه) مع كيس الرغيف، وهو ليس في حاجة إليه، لأنه يقطن في حي شعبي لا شاطئ له، احتجّ قائلاً باللهجة السورية: “شو هاض.. اولك شي بيجنن؟!” اعترض طريقه “أبو عنتر” وتعرض منه لـ (طيّارة/زنقيرة) على قفاه، وساقه إلى المخفر، ولُفِقت له تهمة سياسية تؤدي إلى حبل المشنقة، ذكرني بأحد الليبيين، حينما علّق في مأتم: “واللهي يا جماعة الخير معش حصلنا خبزة امسقمة اللي في الكوش كلها محروقة.. والشخاشير الكورية اللي ايدهمولنا فيهن مع الجبنة ما ينفعنش وما شور شي بكل” فقبض عليها زوّار الفجر، بتهمة التعامل مع قوى أجنبية معادية، تبثّ إشاعات مغرضة، من شأنها أنْ تلحق الضرّر بأمن الجماهيرية واستقرارها، وتجعلهما في خطر داهم”، أي أنّ العسف متطابق في الحالتين، الدرامية والواقعية.

أيضاً فإنّ الصورة التي دأب “تكميل” على إظهار نفسه بها بين سكان الحي منذ أن حلّ بالوادي، هي أنه عربي أصيل ومحافظ على هويته، وأنه قومي ولسان حاله ونطقه، يجمع بين اللهجات العربية المتعدِّدة، فطيلة حلقات المسلسل، نطق بهذه الكلمات (قمعز) و(هاي) و(احنا) و(زين) وغيرها الكثير، كما درج على التزيّي بالملابس العربية التقليدية، من (الكوفية) و(العقال) و(الدشداشة) و(العمامة) وهذه الأعمال كلها، قام القذافي بها، من كلمات وملبوسات، غير أنه أضاف إليها الملابس الأفريقية التهريجية، مع احترامي لخصوصيات وثقافات الشعوب، ولا ننسى أيضاً عامل التسويف والمماطلة، التي انتهجها “تكميل” وهو قدوم الشحن من بلاد الغربة، لكي يسهم به في تطوير الحي وتحويله من حياة التخلف إلى المجتمع المدني الحديث، أي كما فعل القذافي وهو يمني الليبيين بوصول صاحب الزمان والمكان ابنه “سيف التسويف” ليقيم مشروع ليبيا الغد.

والسؤال الذي أختم به، ويطرح ويجمع نفسه: لماذا أصرّ تلفزيون “القذافي” في عقد الثمانينيات، على بثّ فقرات ومقاطع مطوّلة في فقرة الإفطار في شهر رمضان المبارك، الذي جعله شهر المآسي، من هذا المسلسل؟ هل لأنه كان يستخفّ بالليبيين، ويظنهم لم يلاحظوا مدى الشبه بينه وبين “تكميل” أم لأنه أراد أنْ يبعد الشبهة ودائرة الشكوك عن نفسه، بأنه أبعد ما يكون عن هذه الشخصية المدمرة، بدليل أنه لا يجد حرجاً في إذاعة هذا المسلسل في تلفزيونه؟

زياد العيساوي ـ بنغازي (ليبيا)

ziad_z_73@yahoo.com

شاهد أيضاً

“سياحة دمشق” تكشف عن موعد انتخابات إدارتها

شام تايمز – دمشق أعلنت غرفة سياحة دمشق، الثلاثاء، عن موعد اجتماع انتخابات أعضاء مجلس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.