الرئيسية » news bar » شهدتُ اغتيال عدنان المالكي.؟ ويبقى ملف سيرته واغتياله مفتوحاً على مصراعيه.

شهدتُ اغتيال عدنان المالكي.؟ ويبقى ملف سيرته واغتياله مفتوحاً على مصراعيه.

يحفل تاريخنا بالعديد من القصص والحكايا عن جرائم ومؤامرات سياسية لم تنته بعد، ولمّا تزل ملفاتها مفتوحة والتساؤلات والشكوك تحوم حولها: من الجاني يحفل تاريخنا بالعديد من القصص والحكايا عن جرائم ومؤامرات سياسية لم تنته بعد، ولمّا تزل ملفاتها مفتوحة والتساؤلات والشكوك تحوم حولها: من الجاني.؟ ومن الضحية.؟ ولماذا.؟ نتساءل من قتل الزعيم الوطني فوزي الغزي عام 1929 ولماذا.؟ وهل صحيح أن زوجته هي القاتل أو هي الأداة أو هي لا هذا ولا ذاك.؟ لماذا قتل الزعيم الوطني عبد الرحمن الشهبندر.؟

وهل شارك في الجريمة آنذاك رجالنا الوطنيون.؟ هل خطط زعماء سورية وأبناؤهم في يوم من الأيام عام 1956 لانقلاب مدعوم من السلطات العراقية، فاتهموا بالمؤامرة الكبرى وحوكموا ولم تزل حكايتهم في مجاهل أروقة السياسة.؟ لماذا اغتيل الضابط الشاب العروبي عدنان المالكي.؟ ومن اغتاله.؟ والأمثلة كثيرة وتاريخنا يحتاج إلى إعادة قراءة متأنية وبتجرد لعلنا نعرف خفايا الأيام الماضية نستفيد من لونها الأبيض ونبتعد عن لونها القاتم.

عدنان المالكي:

هو العقيد الوطني عدنان محمد شمس الدين المالكي، ولد في دمشق في حي المهاجرين عام 1919، واشتهر بتفوقه الدائم وجرأته الأدبية وكان منذ صغره ميالاً للحياة العسكرية وشديد الشغف بمطالعة سيرة أبطال التاريخ العسكري، درس المرحلة الابتدائية والثانوية في مدارس دمشق،

وأكمل دراسته العسكرية في حمص وفرنسا، حيث التحق بالكلية العسكرية في حمص وتخرج منها عام 1939 برتبة مرشح ضابط، ورفّع عام 1940 إلى رتبة ملازم ثان، واجتاز بتفوق دورة المدرسة الحربية العليا في فرنسا والتي أهلته شهادتها لحمل لقب ضابط ركن، خدم في جيش الانتداب الفرنسي آنذاك في قطاعات مختلفة وكانت تسند إليه مهام تدريب الجنود، وعُين مدرباً في الكلية العسكرية، تعرض أثناء خدمته العسكرية بتلك الفترة للعديد من المضايقات والإزعاجات ووُضع تحت الرقابة المشددة، بسبب مواقفه الوطنية وبثه الروح الوطنية بين مرؤوسيه من ضباط وجنود،

وكان نشاطه الوطني يقلق القادة الفرنسيين وكانت له مواقف مشهورة معهم، وبعد الجلاء الفرنسي عن أراضي الوطن ساهم في تأسيس الجيش السوري وأسس مدرسة صف الضباط، وخرّج أولى دوراتها وكان مديراً لدورات عدة في الكلية العسكرية. اعتقل في عهد أديب الشيشكلي لمطالبته بالعديد من الإصلاحات، وقضى في السجن ما يزيد على سبعة أشهر. وبعد عودة الحكم الوطني للبلاد برئاسة هاشم الأتاسي، عاد المالكي إلى الجيش وتسلم منصب معاون رئيس الأركان العامة، وفي عام 1948 شارك في حرب فلسطين…

الشاهد:

جمال حماد الملحق العسكري في السفارة المصرية بدمشق في الخمسينيات من القرن الماضي، عاش مع عدنان الملكي وكان معه إلى آخر دقيقة من حياته.. كان بجواره أثناء اغتياله، وكانا يتبادلان الحديث والنكات حين أُطلق الرصاص على المالكي.. هذا الرجل كتب في تلك الفترة لمجلة (القوات المسلحة) عن ذكرياته عن الفقيد وقصة استشهاده فيقول:

( كانت الشجاعة أول ما يميز عدنان المالكي فما كادت حرب فلسطين تنشب عام 1948 حتى ترك التدريس بالكلية العسكرية في حمص وانضم إلى الجيش بالجبهة حيث تولى قيادة إحدى سرايا المشاة. وأمام “التل الأسود” الحصين المجاور لمستعمرة مشمار هايدن قاد عدنان سريته مقتحماً التل الأسود ثم مدافعاً مستميتاً عن هذا التل الذي أُطلق عليه منذ ذلك التاريخ اسم “تل المالكي”… كانت معرفتي الشخصية “بالمقدم” عدنان في نوفمبر عام 1952 بعد تعييني ملحقاً عسكرياً بالسفارة المصرية بدمشق وكان قد عاد من فرنسا بعد إتمامه دورة معهد الدراسات العليا وتعيينه مفتشاً عاماً للجيش السوري،

وكانت سورية وقتئذ تحت حكم “العقيد” أديب الشيشكلي، فأقبل إلى الحاكم يوضح له بصراحته المعهودة وإخلاصه مساوئ حكمه ويطالبه بتعديل سياسته ليتمشى مع مطالب الشعب..) ولكن لم يلبث الشيشكلي أن اعتقل المالكي وأودعه في سجن المزة مع عدد من الضباط والسياسيين منهم، عبد الغني قنوت وبرهان قصاب حسن وبشير صادق والمحامي رياض المالكي والمحامي شفيق عدنان، بقي المالكي في السجن حوالي سبعة أشهر أحيل بعدها على التقاعد والإقامة الجيرية في منزله، ومن ثم رحل الشيشكلي وأعيد المالكي إلى الجيش.

ويصف الملحق العسكري المصري جريمة اغتيال المالكي فيقول: (اختار المجرمون يوم 22 نيسان عام 1955 موعداً لتنفيذ جريمتهم البشعة وكان هذا اليوم محدداً لإقامة مباراة كرة القدم بين فريق السواحل المصري وفريق الشرطة العسكرية السوري على أرض الملعب البلدي بدمشق.. ولم تكد الساعة تبلغ الثالثة من هذا اليوم المشؤوم حتى امتلأ الملعب البلدي على سعته بجموع حاشدة من السوريين والمصريين مدنيين وعسكريين وكانت جلستي في المقصورة الرئيسية في الصف الثاني بين الزعيم توفيق نظام الدين والبكباشي أبو بكر عزام من مصلحة السواحل وفي الصف الأول جلس الزعيم شوكت شقير رئيس الأركان العامة السورية وقتئذ وعلى يمينه السيد محمود رياض سفير مصر بدمشق وعلى يساره اللواء عبد العزيز فتحي مدير مصلحة السواحل وقتئذ.

وبعد دقائق قليلة من جلوسي أقبل العقيد عدنان المالكي وكان كعادته مرحاً مبتهجاً لا تفارق الابتسامة شفتيه.. جلس في المقعد الذي ورائي مباشرة.. لم تكد تمرّ خمس دقائق على بداية المباراة حتى سمع المتفرجون دوياً هائلاً ثلاث مرات متتالية ثم وجدوا المقصورة الرئيسية وقد سادها الهرج والمرج، وكنت خلال سماعي الطلقات قد استدرت للخلف لأتبيّن سرّ هذا الدوي فوقعت عيناي على جندي سوري وقد ألصق فوهة مسدسه بصدغه وأطلق رصاصة على نفسه فخر صريعاً على الأرض،

وفي نفس اللحظة تبيّنت أمامي صديقي عدنان المالكي وهو مازال جالساً على كرسيه وقد أطرق برأسه على صدره وانبثق من جبهته سيل الدماء.. كل ذلك جرى في ثوان قليلة وبسرعة مذهلة، واتضح أن الجاني الأثيم جندي بالشرطة العسكرية وينتمي للحزب القومي السوري وقد شاء القدر ألاّ يجلس أحد من الضباط المتفرجين خلف الصف الذي به العقيد عدنان فاقترب الغادر الأثيم من الفقيد دون أن يثير الشكوك باعتباره جندياً في الشرطة العسكرية وانتهز فرصة انشغال المتفرجين بتتبع هجمة للفريق المصري على المرمى السوري واقترب حتى لامس مسدسه رأس الفقيد ثم أطلق عليه طلقتين. أصابت الأولى رأسه والثانية عنقه فصرعه في الحال، ثم وجه مسدسه إلى صدغه وأطلق طلقة خرَّ على إثرها صريعاً على الأرض دون أن يتمكن أحد من القبض عليه قبل انتحاره.)

قبل الاستشهاد وبعده:

قبل استشهاد العقيد عدنان المالكي بعدة أيام شارك في احتفالات سورية في 17 نيسان ذكرى الاستقلال، واشترك في العرض العسكري الذي أقيم في شارع بيروت، وأعقب ذلك عقد خطبته على آنسة لبنانية وفي نهاية الأسبوع تلقى الرصاصات الغادرة، دُفن جثمان الشهيد في قبر مؤقت ومن ثم نُقل إلى الضريح الخاص الذي أقيم بدمشق في الساحة التي أطلق عليها اسمه، واشترك الشعب بجميع طوائفه في تشييد هذا الضريح وساهمت مصر أيضاً في تشييده بإرسال بعض أحجار الجرانيت من مصر ليكون الضريح رمزاً للوحدة بين مصر وسورية،

وخصصت الكلية العسكرية في حمص غرفة خاصة تضم ذكريات الشهيد، ففيها صورة للشهيد ولمحة عن تاريخ حياته، كما وضعت في خزانة زجاجية البذلة العسكرية التي كان يرتديها الشهيد وقت اغتياله، وهي كاكية اللون عليها نياشين ومخضبة بالدم، وربطة العنق السوداء التي كان يضعها على عنقه وهي مجعدة من الدم المتجمد عليها والقميص الأبيض والدم الأحمر عليه. وعند إقامة متحف عدنان المالكي عند ضريحه نقلت كل هذه الأشياء إلى المتحف،

وكُلف بعد عدة سنوات من استشهاد المالكي الفنان المصري مصطفى نجيب بصنع تمثال بالحجم الطبيعي لعدنان المالكي وانتهى منه وشاهده آنذاك اللواء عفيف البزري القائد العام للجيش في الإقليم السوري ووافق عليه وطلب تكبيره إلى مقاس أربعة أمتار ونصف وأن يكون من النحاس ليوضع وسط الساحة أمام الضريح، ولكن لأسباب نجهلها لم يتم صنع هذا التمثال، وقام الفنان السوري فتحي محمد قباوة بصنع التمثال الموجود حالياً في ساحة عدنان المالكي.

أسئلة بدون أجوبة:

عدنان المالكي لم يكن رجلاً سورياً إنما كان رجلاً وطنياً عربياً، لمع اسمه في العالم العربي كرجل عسكري وسياسي قومي، فمن له المصلحة بتغييبه.؟ قيل إن الذي ارتكب جريمة القتل رقيب في الجيش السوري يدعى (يونس عبد الرحيم) وكان مكلفاً بحراسة المنصة الرئيسية، وقد تم إطلاق الرصاص على القاتل فوراً من قبل أحد مساعدي الشرطة العسكرية فأرداه قتيلاً لئلاّ يتم اكتشاف ملابسات الجريمة. ثم حمل الحزب القومي السوري مسؤولية الاغتيال فتمت ملاحقة أعضائه وتصفيتهم. وهذه الرواية هي السائدة في أغلب المصادر التي بحثت في جريمة الاغتيال، ولكنها تخالف رواية الملحق العسكري المصري الذي قال إن القاتل انتحر فور اغتياله للشهيد المالكي.؟

قيل أيضاً الكثير عن دور الحزب القومي السوري في اغتيال المالكي، وقيل أيضاً الكثير عن تبرئة الحزب من دم المالكي، وليس من المـؤكد أن الحزب القومي السوري كان وراء عملية الاغتيال.؟

وكان من نتائج اغتيال المالكي أثر كبير على نمو وازدهار الحركات القومية واليسارية في سورية والمنطقة، وتراجع الحزب القومي السوري وضربت قواعده واعتقلت كوادره. وتم تصفية العسكريين الذين اتهموا بالاشتراك في مقتله من أهمهم المقدم غسان جديد (شقيق صلاح جديد)، وكذلك تم تسريح عدد من كبار الضباط.

قيل إن المالكي كان عضواً في حزب البعث وقيل بل كان متعاطفاً مع البعث ولكن المحامي بشير الموصلي يقول: (الحقيقة إن العقيد المالكي بعدما مرّ بفترة تعاطف مع البعث أثناء حكم أديب الشيشكلي انقلبت علاقته مع البعثيين عندما أصبح له موقع متقدم وصاحب نفوذ في الجيش والأركان العامة، فأصبح معهم على غير وفاق. وإذا كان أكرم الحوراني قد ألمح إلى هذه الحالة في مذكراته. فإن سامي جمعة أورد الوقائع والأسباب التي باعدت بين الطرفين وأهمها عدم ترشيح البعث لشقيقه رياض المالكي للانتخابات النيابية في أيلول 1954 ورشح بدلاً عنه صلاح البيطار، بالإضافة لأحداث أخرى) وتابع الموصلي بالقول: وأستطيع أن أذكر بالنسبة لوقائع ستنشر قريباً أن المالكي كان قبيل اغتياله أقرب إلى القوميين منه إلى البعثيين الذين تحالفوا ضده مع شوكت شقير.

سؤال كبير لم نزل نتساءل عن إجابة له: من كان وراء جريمة تغييب ألمع الضباط العرب ومحاولة القضاء على الحزب القومي السوري.؟
ويبقى ملف سيرة العقيد عدنان المالكي واغتياله مفتوحاً على مصراعيه.؟

يتبع

بقلم : شمس الدين العجلاني

الأزمنة

شاهد أيضاً

“السياحة” تُناقش خطة 2021!

شام تايمز – دمشق ناقش وزير السياحة “محمد مرتيني” خلال اجتماع مع المديريات المركزية، خطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.