الرئيسية » غير مصنف » اضطرابات سوريا: سر التوقيت والأهداف…ودور الأردن في إنقاذها!

اضطرابات سوريا: سر التوقيت والأهداف…ودور الأردن في إنقاذها!

بطبيعة الحال لا يمكن الجزم بأن جميع المظاهرات والحراك الشعبي في العالم العربي بتخطيط وتوجيه أميركي وغربي، بل أن الحراك والرفض الشعبي للأنظمة الحاكمة في العالم العربي كان موجوداً ومنذ عقود من الزمن، وبسببه أمتلأت السجون الرسمية والسرية بسجناء الرأي والكلمة وبالمطالبين بالإصلاح والتغيير.

فكانت ولا زالت هناك سياسة شبه موحدة في العالم العربي وهي مقابلة أصحاب الرأي المختلف بسياسة التكميم والقمع والحصار والبطش وعلى الأقل من بطانة الحكام أو الدوائر المهمة للأنظمة، وأن الدوائرالغربية والأميركية كانت بمثابة شهود زور على هذا القمع والتكميم والترهيب، أي كانت الأنظمة العربية ولا زالت تمارس قمعها ضد الشعوب العربية بأدوات ودعم من الغرب وواشنطن، ولكن الغرب والولايات المتحدة تعمدا أهمال تطلعات الجماهير العربية ولعقود طويلة جدا، ولصالح الأنظمة الحاكمة، ومن خلال لعبة المصالح والفوائد.

ولكن عندما حدثت المتغيرات الإقليمية والدولية صار لزاما لتغيير الأنظمة في المنطقة العربية لتتلائم مع تلك المتغيرات الإقليمية والدولية، وبدون قنابل وحروب واغتيالات وأنقلابات بل من خلال أستغلال حالة الرفض الموجودة في قلوب ونفوس الجماهير العربية،ففتحت لتلك الشعوب آفاق الإعلام والتكنلوجيا لتعبّر من خلالها عن رأيها، ولإعلاء رفضها وطرح مطالبها ومشاريعها، ولكنه فتح مشروط وأن أهم شرط فيه هو “لا تذهبوا بعيداً عن الغرب وأميركا، وأن ذهبتم فسوف يتكرر معكم سيناريو حركة الإنقاذ الجزائرية، وحتى سيناريو أزاحة حركة حماس عندما تبوأت الحكم ومن خلال صندوق الأقتراع في مناطق السلطة الفلسطينية”.

ولهذا سارعت واشنطن لتكن موجودة في هندسة المستقبل السياسي المصري والتونسي، وحتى الفلسطيني من خلال أوامرها التي أصدرتها لبعض قادة المنطقة، فواشنطن موجودة هناك، وحتى وان كانت لا تظهر في الاعلام، وبالتالي فما يحدث في سوريا هو حراك من هذا النوع مع اختلاف الحالة طبعا.

لأن في الحالة السورية خصوصيات عربية و إقليمية ودولية، واهمها الخصوصية الإسرائيلية، والعراقية، واللبنانية، والفلسطينية ـ والإيرانية، ناهيك عن الخاصية المتوسطية، ولهذا اتبعت واشنطن سياسة ناعمة من جهة، ومن الجهة الثانية أعطت للغرب التصعيد ضد النظام السوري ومن خلال لعبة تبادل الأدوار.

وهذا يعني أن المطبخ الغربي والأميركي أنتج وصفات تليق بكل دولة يُراد لها التغيير في نظامها السياسي، ولكن في نهاية الأمر تقود الى نتيجة واحدة وهي إعادة رسم الخارطة السياسية وربما الجغرافية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط.

ولهذا فلو نظرنا لتوقيتات الاحتجاجات فسوف نراها مبرمجة تماماً من حيث أهمية التوقيت وبعده النفسي والاقتصادي، فلكل دولة توقيتها الذي انطلقت فيه الجماهير الى ما يسمى بسيناريو “التغيير” أي توقيت أنطلاق التثوير لحماية الأصوات التي استجابت للحراك التغييري.

فكان التوقيت في موضوع انطلاق المظاهرات في سوريا دقيق للغاية، والسبب لأن الولايات المتحدة والغرب لا يمتلكان أوراق ضغط أستراتيجية ضد دمشق، وأيضاً لا يمتلك صندوق النقد الدولي هو الآخر أوراقاً ضد سوريا لكي يركع نظامها، ولهذا مارست هذه الجهات ضغطاً إعلامياً ونفسياً وأحياناً دبلوماسياً على دمشق، وبالتالي جاء التوقيت متزامناً مع “الموسم السياحي” في سوريا، وهو الموسم المزدهر بالنسبة للنظام وللطبقات الفقيرة والمتوسطة، ناهيك عن قطاع السياحة والخدمات.

فلقد تعرضت هذه القطاعات الى خسائر جسيمة للغاية واولها النظام والقطاع الخدمي والسياحي، وكانت المراهنة على التذمر الشعبي من وراء هذا التوقيت، أي المراهنة على تثوير الطبقة الفقيرة والمتوسطة من خلال سلاح العوز والتجويع والسبب لأن سوريا لم تقف في طابور المتسولين أمام أبواب صندوق النقد الدولي ولا حتى أمام الغرب وواشنطن لأنها دولة لا تعتمد على مساعدات وبرامج صندوق النقد الدولي والذي يعتبر وسيلة ضغط أميركية على الدول والشعوب والحكومات.

فسوريا لا تعتمد على المساعدات الدولية لأنها لم تجازف بعملية السلام مع إسرائيل وبالتالي لم تتقيد بشروط من هذا النوع أسوة بمصر والأردن والسلطة الفلسطينية، وفي الوقت نفسه ليست لديها ديون وان وضعها مرتاح جدا من هذه الناحية، أي من الناحية الاقتصادية، فتعتبر سوريا بلداً مستقراً من ناحية استقرار الأسعار، وكذلك من ناحية عدم وجود ديون ترهق الدولة والشعب، وهذا ما يُغضب واشنطن والغرب لأنهما يريدان لسوريا الوقوف في طابور المتسولين أمام أبواب صندوق النقد الدولي لكي تُفرض عليها شروط صارمة مثلما فعلت مع الدول المستدينة، ومع الدول التي تورطت بعملية السلام مع إسرائيل.

فسياسة صندوق النقد الدولي تعتمد على الإغراء والإغراق ومن ثم الخنق والإذلال وفرض الشروط، ولا زالت المعركة مستمرة مع النظام في سوريا ولا نعتقد أن الهدف تغيير نظام الرئيس بشار الأسد بدليل ليس هناك أهتماما بالمعارضات السورية، بل أن الهدف الرئيسي هو إجبار نظام الرئيس بشار على قبول الشروط التي كان يرفضها بشكل جماعي، أو قبولها على وجبات، ولكن أولها إنهاء العلاقة مع إيران وحزب الله والمنظمات الفلسطينية، وإنهاء دور بعض الخطوط والوجوه في النظام أي تجديد النظام بما يتلاءم مع ما سيولد في تونس ومصر واليمن وليبيا وغيرها لكي يتم الشروع في عملية السلام مع إسرائيل.

فعندما لم يبلغ المتظاهرون أهدافهم في سوريا وأسوة بالمصريين والتونسيين راحت واشنطن والغرب وبالتنسيق مع صندوق النقد الدولي وبعض المنظمات غير الحكومية في أميركا والغرب والتي تحالفت مع إدارة أوباما والاتحاد الأوربي على دعم عمليات التغيير في العالم العربي، لاتباع سلاح العقوبات السياسية ضد بعض رموز النظام السياسي في دمشق، ولم تأت على رموز آخرين في رسالة مبطنة لهم عسى يلعبوا دورا في عملية التغيير.

وفي محاولة لدق إسفين بين أركان النظام السوري، ولقد لعب السفير الأميركي في دمشق “فورد” على هذه السياسة وهذا الوتر، وخصوصاً وهو الذي جاء لدمشق ولمدة عام واحد من أجل أنجاز مهمة التغيير في سوريا أو مهمة الإصلاح والغربلة في النظام السوري، ولهذا أخذ يتزاور مع بعض رموز النظام المهمين والمقربين من صفوة النظام السوري في محاولة منه لتمرير بعض الرسائل وتقديم الإغراءات المبطنة، كذلك هي محاولة لتطمين هؤلاء على مستقبلهم السياسي في حالة ساهموا في عملية التغيير، لأن هناك مراهنة أخرى من قبل “المعارضة السورية” وبعض الأطراف الأميركية والإسرائيلية وحتى العربية على تمرد الجيش السوري لكي يحسم الأمر.

ولكن هذا لن يتحقق بعد أن تنبهت له القيادة السورية فرفضت إخراج الجيش من الثكنات نحو المدن السورية المضطربة، فاعتمدت على أفواج الحرس الجمهوري، والقوى الأمنية، وبعض الخطوط العسكرية التابعة لدوائر خاصة بالنظام، وذلك خوفا من أنقسام الجيش السوري، وبنفس الوقت خوفاً من حدوث فراغات خطيرة عند تحرك قطاعات الجيش ربما تحاول إسرائيل والمعارضة وواشنطن والغرب أستغلالها وحينها سيكون الخطأ الإستراتيجي الجسيم، والذي سيكون سبباً بالفوضى وانهيار النظام وبروز مشروع التقسيم.

فراحت القيادة السورية تعتمد على الحرس الجمهوري وملحقاته لكي لا تعطي فرصة لبعض قادة الجيش والضباط الصغار المتعاطفين مع المتظاهرين، أو ربما سيتعاطفون فيما بعد، ولهذا اعتبر النظام السوري قضية تحريك الجيش العربي السوري نحو المدن خطاً أحمر، أي لا يجوز ارتكاب هذا الخطأ، خصوصاً وأن نزول الدبابة والعسكر الى المدن وفي جميع أنحاء العالم يعتبر مؤشر انهيار وليس مؤشر قوة.

ولكن تبقى هناك مخاطر أخرى، وهي الصراع “الإيراني ـ التركي” على سوريا وفيها، وهو الصراع الذي قد يفجر النظام من الداخل، خصوصاً وأن أنقرة قد بالغت في وسائل ضغطها على النظام، وبطريقة تخلو من الدبلوماسية والكياسة، ومن الجانب الآخر هي تمارس ضغطاً متصاعداً على الرئيس بشار لكي يقبل بـ”الإخوان المسلمين” شركاء في الحكم والنظام، وهو الطلب المرفوض من القيادة السورية، ولهذا هناك تناغم بين أنقرة وواشنطن بأن يتم إشراك الإخوان المسلمين بدلا من الجهات الأخرى.

ولهذا أهملت واشنطن والغرب الدعم لأطراف المعارضة الأخرى، لأن هناك سياسة أميركية جديدة وهي إشراك الإخوان المسلمين في جميع الأنظمة التي سيطالها التغيير، ومن الجانب الآخر دعمت ضدهم “بعبعاً” جديداً أو نداً جديداً وهو المتمثل بـ”التيارات السلفية” والمرشحة أن تكون بديلاً لـ”بن لادن والقاعدة” أي سيتم شيطنتها في السنوات المقبلة لتحل محل القاعدة والتيارات الراديكالية المتشددة.

وهذا بحد ذاته ربما سيغري إيران أو سيضطرها إلى اللجوء الى عمل ما في سوريا، وقد يكون خطيراً لتقلب من خلاله الطاولة على أنقرة، وبنفس الوقت لتأخذ هي زمام الأمورفي سوريا لتفرض شروطها على واشنطن والغرب مثلما فعلت في العراق، وفي حالة تمكن إيران من فعل هذا، فهي لن تنسحب من سوريا التي تعتبرها الرئة لا بل القلب في سياستها في منطقة الشرق الأوسط، ولهذا ربما تركن الى موضوع “التقسيم” في سوريا لكي تضمن كانتونات شيعية، وأخرى علوية متعاطفة معها.

ولكن كل هذا قد تنبه له النظام في سوريا، وأخذ يعمل على منعه، وبالتالي توسعت معركة الرئيس بشار، ويفترض أن يُشجع على المضي في الإصلاح ولا يتشعب عمله نحو حماية النظام والدولة من صراع أنقره وطهران في سوريا، لهذا على الغرب وواشنطن اتباع سياسة اللين والدعم الناعم الى الرئيس بشار وتشجيعه على الإصلاح وحمايته من الصراع الدائر بين أنقرة وطهران في سوريا، ومن الخطوط المتشددة في النظام السوري والتي لا تحبذ السياسة الإصلاحية للرئيس بشار خوفا على نفوذها ومصالحها.

لذا على واشنطن والغرب والعرب وإسرائيل معرفة حقيقة مهمة جداً، وهي أن انهيار الأوضاع في سوريا هو تسونامي كبير وخطير ولن يتوقف عند سوريا، وبنفس الوقت أن بقاء النظام بنفس مفاصله أمر غير واقعي وحسب رأي الشعب السوري.

ولهذا لابد من الإصلاح ودعمه أميركياً وغربياً ومن خلال الرئيس بشار خصوصاً وأن هناك معلومات أكيدة ومصدرها قيادة النظام العليا بأن في حزيران القادم سيكون هناك مؤتمرا لحزب البعث وسوف يتم أبعاد جميع الوجوه القديمة “الحرس القديم” واستبدالها بوجوه جديدة في عملية أنقلاب كبيرة تتماشى مع الإصلاح، خصوصاً وأن عملية الإصلاح قد طالت معظم رؤساء الأجهزة الأمنية والإستخبارية بوجوه جديدة وبعقلبات جديدة، وسوف يطال جميع المحافظين وغيرها من المفاصل.

وهنا سوف تبقى سوريا سالمة، ولكن بنظام إصلاحي جديد يؤمن بنظام المؤسسات والتداول السلمي للسلطة، وهذا سيكون خيراً على الأمة العربية بشكل عام، وعلى جيران سوريا بشكل خاص، وهي فرصة ذهبية أن يتحرك جيران سوريا لدعم الرئيس بشار وخطواته الإصلاحية، وننصح الأردن أن تأخذ زمام المبادرة وفوراً لإزالة بعض ما سببته الإشاعات بين البلدين بعد أحداث “درعا”، ومن ثم ليكون نافذة عربية على عملية الإصلاح، ونافذة للرئيس بشار ليقول من خلالها ماذا يريد من دعم للمضي في مشروعه الإصلاحي، وبنفس الوقت يسمع من خلالها ماهو مطلوب منه، فمن الخطأ أن يترك الرئيس بشار وسوريا لأنقرة وطهران وبعض الجهات، بل يجب أن يكون هناك حضور عربي وبسرعة، وأن الأردن مؤهل للقيام بهذه المهمة الحميدة، وأن ما سوف يقدمه الأردن الآن واستباقياً لهو أقل بقليل مما سوف يخسره في حالة الانهيار في سوريا لأن الأردن وفي حالة الانهيار في سوريا سوف يتعرض الى خطر حقيقي.

لهذا لابد من التحرك الأردني وسريعاً لمساعدة الرئيس بشار في الإصلاح، وفتح الباب للمعارضة العاقلة والوطنية لتكون شريكة في العملية السياسية، وقطع الطريق على الأطراف المتشددة والمتطرفة، والتي في حالة وصولها لحكم سوريا سوف تربك الأردن لا بل ستستنزف الأردن وربما تصل الى مبتغاها الخطير والالتفاف على دول عربية أخرى.

سمير عبيد

كاتب ومحلل في الشؤون السياسية

Sa.obeid@gmail.com

شاهد أيضاً

اجتماع مشترك بين وزارتي التربية والتنمية الإدارية لمتابعة تنفيذ مشروع الإصلاح الإداري

شام تايمز – دمشق التقى اليوم الثلاثاء فريق الدعم الفني في وزارة التنمية الإدارية مع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.