الرئيسية » ثقافة وفنون » أدب » الذكرى 95 للشهداء : د . مازن يوسف صباغ

الذكرى 95 للشهداء : د . مازن يوسف صباغ

يوم السادس من أيار عام 1916 تدلت هامات من صفوة رجالات بلاد الشام معلقة على أعواد المشانق تم إعدامهم بعد محاكمة عرفية صورية في عاليه (لبنان)، وذنبهم الوحيد إيمانهم العميق بوطنهم وأمتهم وبحق العرب في حكم أنفسهم بأنفسهم، وأن العرب أمة عريقة لها مساهمة كبيرة في إغناء وتطوير وبناء الحضارة الإنسانية،

وأن من حقها بعد سنوات طويلة من السبات أن تستفيق وتعود لتحتل مكانها تحت الشمس وتتابع رسالتها الحضارية الإنسانية المنفتحة والمتفتحة، القائمة على العيش المشترك والتلاقح الثقافي السلمي وقبول الآخر والتعاون مع كل شعوب العالم وهي التي أعطت البشرية الرسالتين المسيحية والاسلامية السماويتان.

وكان قبل هذا التاريخ وفي العام 1911 وبقرار من محكمة عثمانية (عرفية) بدمشق قد تم إعدام ذوقان الأطرش والد سلطان باشا الأطرش مع خمسة رجال من جبل العرب هم يحيى عامر ومزيد عامر وهزاع عز الدين ومحمد القلعاني وحمد المغوش.

وهناك 13 شهيداً آخر تم شنقهم في تواريخ متفرقة قبل وبعد يوم السادس من أيار 1916 وهم:
ـ الخوري يوسف الحويك شنق في دمشق (آذار) 1915.

ـ نخلة المطران ابن (بعلبك) شنق في (تشرين الأول) 1915.

ـ الشقيقان أنطوان وتوفيق زريق من (طرابلس الشام) شنقا في دمشق عام 1916

ـ يوسف سعيد بيضون من (بيروت) وشنق في (عاليه) في (آذار) 1916.

ـ عيد الظاهر من (عكار) شنق في (آذار) 1916.

ـ الشقيقان فيليب وفريد الخازن من (جونية) شنقا في أوائل (أيار) 1916.

ـ يوسف الهاني من (بيروت) شنق عام 1916.

ـ الشيخ محمد الملحم شيخ عشيرة (الحسنة) من قبيلة (العنزة) في بادية الشام، وهو جد تامر وعبد العزيز ونواف طراد الملحم شنق عام 1917.

ـ فجر المحمود من عشيرة (الموالي) شنق عام 1917.

ـ  شاهر العلي من عشيرة (التركي) شنق عام 1917.

ـ رجل الدين الشيخ أحمد عارف مفتي غزة شنق في القدس عام 1917

في السادس من أيار 1916 تم إعدام 7 شهداء شنقاًَ في وسط دمشق

[عبد الحميد الزهراوي (عضو مجلس الأعيان ورئيس المؤتمر العربي في باريس). ـ شفيق المؤيد العظم ـ الأمير عمر الجزائري ـ شكري العسلي، عبد الوهاب المليحي (الإنكليزي) ـ رشدي الشمعة ـ رفيق رزق سلوم وعلقوا في ساحة «المرجة»،

و14 شهيداً في بيروت [العقيد سليم الجزائري ـ العقيد أمين لطفي الحافظ.

ـ عبد الغني العريسي (صاحب جريدة المفيد)

ـ الشيخ أحمد طبارة (صاحب جريدة الاتحاد العثماني)

ـ الأمير عارف الشهابي ـ توفيق البساط

ـ سعيد فاضل عقل (رئيس تحري جريدة النصير)

ـ جلال البخاري ـ سيف الدين الخطيب ـ بترو باولي.

ـ محمد الشنطي ـ جرجي الحداد ـ د. علي عمر النشاشيبي ـ عمر حمد] وعلقوا في ساحة «البرج»، وقد تم تغيير اسم هاتين الساحتين ليصبح «ساحة الشهداء» تكريماً لهؤلاء الرجال، وكان عدد من الشهداء من رجال الصحافة المتميزين ولهذا اعتبر أيضاً عيد شهداء الصحافة في سوريا ولبنان.

ولم تنجو أي منطقة من الإعدامات والنفي والتشريد.

كانت عملية الإعدام أشرس محاولة لوأد حركة النهضة القومية العربية التي كانت تباشيرها الأولى قد ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عبر حركة نهضة ثقافية ولغوية لإحياء اللغة العربية وآدابها بعد تعرضها لسنوات طويلة من التهميش أيام الحكم العثماني وخاصة مع ظهور الحركة الطورانية الشوفينية بعد انقلاب حزب الاتحاد والترقي عام 1908،

وكانت عملية التنكيل والإعدام هذه حلقة ضمن سلسلة من الإجراءات الأخرى لعل من أبرزها إعدام أحد عشر شهيداً في 21 آب (أغسطس) 1915، ونقل القوات العربية التابعة للسلطة العثمانية بعيداً عن موطنها إلى جبهات القتال في غاليبولي والقفقاس والبلقان، ونفي وإبعاد العديد من القيادات والوجهاء إلى مناطق بعيدة ونذكر من هؤلاء المسلط باشا الملحم رئيس قبيلة الجبور الذي نفي إلى ماردين،

وأشراف مكة لأسطنبول والهواش خير بك إلى جزير كريت… وغيرهم من مختلف المناطق والانتماءات واستفحال المجاعة والأوبئة في بلاد الشام ونفي العديد من العائلات واقتلاعها من أرضها ومحاولة إجراء عملية تهجير (ترانسفير) للشعب العربي من أرضه إلى الأناضول واستبداله بعناصر متنوعة مع ما يحمله هذا من اقتلاع للجذور وغبن للشعبين العربي والتركي.

لقد كانت فكرة الوطنية هي الرد الحاسم على مسألة الفتنة الطائفية التي حاولت الدول الاستعمارية والسلطة في الآستانة وولاتها فرضها في البلاد العربية التابعة للإمبراطورية العثمانية، ففي القرن التاسع عشر عمل الاستعمار الغربي والعثمانيون على اللعب على الوتر الطائفي في بلاد الشام للتفريق بين السكان الذي عاشوا لقرون في تناغم ووئام كوسيلة وذريعة للتدخل وفرض الهيمنة تحت مسميات متعددة، ووسيلة لتعزيز السيطرة على بلاد العرب من قبل العثمانيين وفق مبدأ «فرق تسد».

في وجه هذا التحدي المزدوج عمد المثقفون العرب إلى البحث عن العامل الجامع للشعب الذي عاش بسلام ومودة لمئات السنين في المنطقة العربية على الرغم من التعدد الطائفي والمذهبي والإثني الذي جعل من المنطقة شبيهة بقطعة كبيرة من الفسيفساء الجميل الرائع، فكان الجواب هو الانتماء الوطني العروبي.

لقد كانت العروبة هي النتيجة المشتركة التي توصل إليها عدد كبير من المثقفين والمنظرين والسياسيين والصحفيين العرب من كافة الأقطار العربية في بلاد الشام ومصر والعراق والجزيرة العربية، ومن خلفيات دينية وأثنية واجتماعية وسياسية مختلفة، ولعل القسم الأكبر من هؤلاء المثقفين أتوا من سورية ولبنان لكون هذين البلدين عانيا أشد المعاناة من هذه السياسة الاستبدادية التفريقية.

واليوم وبعد مرور 95 سنة على ذلك الصباح التاريخي، ورغم التغيرات العديدة التي مرت على المنطقة والعالم، فإن العرب اليوم ـ وعلى الرغم من العديد من الإنجازات والخطوات الكبرى التي قاموا بها ـ لا زالوا بعيدين عن الموقع الذي يتطلعون إليه ويستحقونه والجدير بهم.

إن التحديات التي كانت تواجه العرب في أوائل القرن العشرين لم تعد موجودة، فالإمبراطورية العثمانية قد زالت وحلت محلها الجمهورية التركية الراغبة هي وجيرانها العرب بعلاقات جيدة وحسن جوار وتعاون بناء على الصعد الاقتصادية والسياسية والثقافية والسياحية كافة.

هذه العلاقة ترغب بلادنا أن تشمل الدول الأوروبية كلها كي تكون العلاقات والشراكة على ضفتي البحر الأبيض المتوسط مثالية ومتناغمة مبينة على الاحترام والمصالح المتبادلة بين الدول العربية والاتحاد الأوروبي.

لكن العرب يواجهون اليوم خطر القطب الأوحد الذي يحاول فرض هيمنته السياسية على العالم، وبخاصة الدول العربية، كما يواجهون الخطر الإسرائيلي الصهيوني الذي يسعى إلى تقاسم هذه الهيمنة وفرض نفسه كقوة عظمى إقليمية مسيطرة على الدول العربية وتحويلها إلى مدى حيوي لحاجاتها السياسية والاقتصادية،

كما يواجه العرب خطر العولمة المتوحشة التي قد تؤدي إذا ما استفحلت إلى محاولة طمس الهوية الثقافية والتاريخية للشعوب وتحويلها لسوق استهلاكي للأفكار والقيم والمنتوجات والسلع، عوضاً عن أن تكون شريكاً أساسياً في تشكيل ثقافة إنسانية حديثة معاصرة.

إن الأداة المستخدمة اليوم هي نفسها التي تم استخدامها من قبل وهي اللعب على الوتر المذهبي والطائفي لتكريس الانقسام والتشرذم في الواقع الوطني والعربي، والجواب لا بد أن يكون نفسه هو الشعور السوري الجامع المستند على الوحدة الوطنية ضمن إطار التنوع المذهبي والطائفي والأثني والذي يحول هذا التنوع والتعدد إلى مصدر غنى وقوة ودفع وتقدم عوضاً عن أن يكون مصدر فرقة وضعف ووهن وتخلف.

اليوم وفي الذكرى 95 لشهداء السادس من أيار وفي عيد جميع الذين ضحوا بحياتهم ودمائهم في سبيل هذه الأرض من شهداء ميسلون والثورات السورية المتكررة ضد الانتداب الفرنسي وشهداء الحروب ضد العدوان الإسرائيلي الصهيوني أعوام 48 و56 و67 و73 التحريرية.

شهداء ودماء زكية من كل الشعب أريقت في سبيل الوطن من الشعب السوري المعتز بتنوعه وتعدده العرقي والأثتي والديني والطائفي والمذهبي المعتز بتوحده وشعوره الوطني والقومي.
ولا بد لنا نحن أحفاد أولئك الرجال العظام الذين رفضوا محاولات طمس الهوية الوطنية وزرع التقسيم والتعصب والكراهية قبل 95 عاماً أن نرفض ونقاوم هذه المحاولات اليوم وفي هذا الزمن الصعب والعصيب والحرج أن نتصدى لكل هذه الرياح العاتية المسمومة كما تصدى لها الأباء والأجداد وقاوموها وأفشلوها.

شاهد أيضاً

ياسر العظمة.. بسيف الفصاحة من جديد أطل

شام تايمز – دمشق – آمنة ملحم بلسان حال المواطن السوري، وبكلمات سكبت ملحاً على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.