الرئيسية » news bar » شغف المخترع عمر حمشو يلامس الأسطورية في ميدان الدارات الإلكترونية

شغف المخترع عمر حمشو يلامس الأسطورية في ميدان الدارات الإلكترونية

«القضايا المعقدة تعود في أصلها إلى تراكب مجموعة من القضايا السهلة…». بهذه الروحية قابل المخترع السوري عمر حمشو مختلف المعوقات الإلكترونية التي واجهت الشركات السورية إبان الحظر التقاني الأميركي على سورية، وبها استطاع التدخل لحلها.

وعلى قساوتها، إلا أن العقوبات الأميركية على سورية تبدو بالنسبة لحمشو «مدرسة» أخرى تعلم من قساوتها وإجحافها سيرا على درب دول أخرى حصدت نجاحها التكنولوجي جراء الكد والعمل لتلافي آثار مثل هذه العقوبات.

لدى تناوله لهذه القضية، يصر الرجل الذي ولد ونشأ في مدينة «أبي الفداء» التي لا يطيق مغادرتها لأكثر مما يقتضيه عمله، على القول: «المقاطعة الأميركية لسورية كلها إيجابيات وقد كان فيها أكبر منفعة لسورية؟»… حتى إنه يدعو لدوامها مشيراً إلى أنه: «آن الأوان أن نفطم تكنولوجيا ونعتمد على أنفسنا..

انظروا إلى الدول التي قوطعت كألمانيا في وقت من الأوقات، وكإيران الآن.. إلى أين وصلت.. لا علم من العلوم إلا طورته بل أبدعت فيه بعد أن قوطعت، وانظروا إلى من هو معتمد اعتمادا كلياً على الغرب إلى أين وصل بعد نوم عميق، بل أين هبط بعدما هزته الأزمة المالية؟

قد تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن المخترع حمشو هو أوائل المتصدين للمقاطعة الأميركية في القطاعات التقنية الإلكترونية محليا وسط إيمان عميق بأنها لا تكاد تختلف عن مقاطعتنا في الكماليات كـ«السفن أب» أو بعض أنواع العلكة والسكاكر والعطور..
لم تأت خبرات حمشو من فراغ، إذ إن مواهبه الإلكترونية ولدت مبكرا منذ عام 1950 في مدينة العالم الكبير أبي الفداء، حماة،

إذ إن فضوله تجاه الإلكترونيات بدأ في المرحلة الابتدائية الأولى، فتراه يدقق الساعات الطويلة والأجهزة الالكترونية، ومكبرات الصوت، ومكونات الأمواج اللاسلكية ووصولها لجهاز الراديو، وتردداتها، وتداخلاتها وانعكاساتها، وصوت الرعد، وضوء البرق، وتداخل الأضواء وأطيافه..

عائلة اختراع

في دراسته الجامعية كان من المنطقي لحمشو الذي صنع في الصف الخامس الابتدائي عام 1960 جهازه «الراديو» الأول، أن يحجز مكانه في كلية الهندسة الإلكترونية بجامعة دمشق عام 1975، قبل أن بتوجه إلى «ألمانيا، النمسا، فرنسا، انكلترا» لاستكمال تخصصاته في مختلف مناحي «التحكم الالكتروني»، ليتحول بعدها إلى خبير في تطوير التحكم بحفارات النفط للآبار الأفقية والعمودية وآبار الغاز ونقل الغاز، ومتخصص بالتصاميم الإلكترونية المعقدة وتقييمها،

كما كان خبيرا استشاريا دوليا بالتقييم والضمان الفني للمعدات ذات التقنيات العالية.. لكن ذلك كله لم يفلح في دفعه إلى التخلي عن تسميته لذاته «الهاوي الإلكتروني الأول في سورية».

طبيعة العائلة التي كونها المخترع حمشو تبدو دليلا إضافيا على ذلك الأفق الواسع الذي يتطلع إليه كإنسان وكباحث في الوقت ذاته، فأسرته المؤلفة من ولدين وفتاة درسوا وتخصصوا جميعاً في كليات الهندسة الإلكترونية، الأكبر غياث حصد عدة براءات اختراع إلكترونية، وحصل على ماجستير «هندسة الإلكترونيات الصناعية والماكروية» ويتحضر هذه الأيام لنيل الدكتوراه، بعد أن حاز المرتبة الأولى في جامعته التي تعتبر من أرقى جامعات العالم الغربية.

أما الابن الأوسط «براء» فهو مهندس إلكترون حاز أفضل مشروع تخرج من إحدى الجامعات السورية، ويحضر الآن لمتابعة دراسته ونيل شهادة الدكتوراه، في الوقت الذي سجل فيه العديد من براءات الاختراع.. لتأتي البنت الصغرى «سيرين» مهندسة الإلكترون الأولى على دفعتها مع أنها اختصرت عدد سنوات الدراسة بأربع بدلا من خمس سنوات من إحدى الجامعات السورية، إضافة إلى دراستها في إحدى الكليات الأدبية، وتحضر الآن لنيل «الدكتوراه».

الدكتورة رفيدا الحبش أو «الزوج الصالحة» كما يود حمشو تسميتها بعيداً عن الألقاب، ذات الحضور العلمي والإعلامي تبرز من خلال مسيرتها الشخصية مدى الالتزام والجد العلميين ضمن هذه العائلة، فتراها حصلت على شهادتها الثانوية بعد زواجهما قبل أن تحصل على شهادتي «ليسانس» اثنتين من جامعة دمشق، فضلاً عن الماجستير والدكتوراه.. وها هو اليوم يشجعها على نيل شهادة دكتوراه أخرى.

معالجة.. واختراع

استند المخترع حمشو في بدايات عمله إلى «أخطاء تصميمية» ونقاط ضعف تخللت عمل أجهزة الكترونية معقدة ضمن خطوط إنتاج وآلات مستوردة من الخارج.

يدين حشمو لـ«نقاط ضعف تصميمية» كثيرة بعضها مقصود، أفضت به إلى تصميم ما يزيد على ثلاثين ألف دارة وجهاز من جميع العلوم الالكترونية الصناعية، والسمعية، النفطية، الكيميائية، المخبرية، والمرئية، النباتية، الغازية، الكهربائية، الحيوية، الضوئية، الجيولوجية، العضوية، التحكمية، اللاسلكية، المعدنية والصوتية، الفيزيائية، فوق الصوتية، المنزلية، الطبية»..

ويضيف حمشو إنه اخترق أسرار الآلاف من تلك الأجهزة وحل استعصاءاتها، وكثيراً ما أعاد الحياة إلى أجهزة محطمة كلياً بأحسن مما كانت عليه وهي جديدة، بل كثيراً ما صحح للشركات الإلكترونية المصممة الكثير من الأخطاء التصميمية، وطور لها خطوط إنتاجها وفقاً لتصميماته.

وينقل حمشو عن مسؤولين في قطاع النفط، مساهمته في تحقيق وفر زاد على مليارين ونصف المليار ليرة سورية على مدى سنوات الحظر التقاني في الثمانينيات من القرن الماضي.

جهود حمشو لم تتوقف عند هذا الحد، إذ إن خبراته الإلكترونية أنقذت من المنشآت الحيوية وأعادتها للحياة بأحسن مما كانت عليه، ومنها على سبيل المثال: معامل الحديد، معامل وشركات الغاز الوطنية، جميع حقول النفط الوطنية وحفاراتها المتطورة، معامل الأنابيب المعدنية، معامل الغزل والنسيج، الأجهزة الإلكترونية للشركة السورية للنفط، ، معامل الصهر، معامل الإطارات، أجهزة الملاحة الجوية في المطارات المدنية، ومعامل القضبان وتاميكو، محطات توليد الكهرباء البخارية والغازية، معامل البورسلان والإسمنت، ومنشآت أخرى كثيرة.

التقنيات التي عالجها المخترع حمشو في الشركات والمؤسسات آنفة الذكر، لم تتوقف عند حدود المعالجة الآنية للمشاكل التقنية، بل تعداها إلى إدخال تعديلات جوهرية على نظمها وداراتها الإلكترونية فاقت في احترافيتها ومواءمتها لعملها تصاميمها الأصلية، حتى إنه تمكن من معالجة بعض الثغرات التي انتاب تلك الدارات.

وعند هذه النقطة بالذات، حصد المخترع حمشو جميع براءات اختراعه التي عالجت مشاكل جوهرية في تصميم وعمل الدارات الإلكترونية المستوردة مع الآلات وخطوط الإنتاج، والتي سجلها باسمه في سورية وخارجها.

المجمع العلمي الإلكتروني

لا يزال المخترع عمر حمشو أسير استكمال حلمه في إنشاء «مجمع علمي الكتروني» يتابع فيه عمله وهوايته وطموحاته بما ينسجم مع ما خطط له في مسيرته البحثية.
ولعل حمشو يمثل ذلك النموذج المثالي عن الشغف بعمله، إذ حشد ما سماه «ما فوقي، وما تحتي، وما يحيط بي، حتى أساور زوجي وحُليّها..» إلى جانب الكد «ليلاً ونهاراً قياما وقعوداً وعلى جنوبهم» ليبدأ في عام 1994 ببناء «المشروع العلمي الإلكتروني»

سعيا منه لتحقيق حلمه الذي يتطلب مساحة 4 آلاف متر مربع، ستُغطى بشبكة عنكبوتيه معدنية «قفص كبير للتجارب» تحجب الأمواج الكهربائية والمغناطيسية، كي يتمكن من إجراء التجارب المعقدة التي تتطلب هذا الحجب الطبقي الكهروطيسي مع برج للعلوم الإلكترونية بما له من مهام علمية واسعة.

ووسط المجمع الذي أنهى حمشو قسماً معقولا منه، ثمة برج «العلوم الالكتروني» والحديقة الالكترونية، وأجنحة علمية كثيرة تجرى فيها التجارب الالكترونية الحساسة.
لكن الاستكمال لم يكتب لهذا المشروع بما يتطلبه من ميزانيات ضخمة قياسا إلى إمكانياته، ففي منتصف عام 2000، توقف المشروع كليَاً بعد أن أنجز ما يقارب 40% منه.
يقول حمشو: في العاشر من حزيران عام 2000 توقف المشروع كليَاً بل توقفت معه آمال كثيرة، متصادفا مع مناسبة أخرى مؤلمة وهي وفاة المرحوم القائد حافظ الأسد.

ويبين حمشو: مرحلة بناء المشروع مرت بعقبات كبيرة جداً- لها أول وليس لها آخر- أهمها العقبات المادية، وبعد توقُفه، عاد للعمل من أجل إيفاء ديونه التي استدانها، وهو الآن ينتظر سنوات أخرى حتى يكبر أولاده ليساعدوه في تتمة هذا الحلم بعد أكثر من عشر سنوات من التوقف التام.

يقول حمشو: إن توقف المشروع ما هو إلا «استراحة المحارب»، لكنه يرى أن هذه الاستراحة قد طال أمدها، مشيراً إلى أن توافر التسهيلات والإمكانات يمكن أن يسهم في الانتهاء منه خلال سنة واحدة أو سنتين على أبعد تقدير.

يتألم حمشو لمآل مشروعه، إذ يردف في حديثه لـ«الوطن» أنه يتحاشى المرور بسيارته من أمام الكتلة العاشرة من شارع صلاح الدين وهو المكان الذي يربض به هذا الصرح العلمي، لئلا يشعر بمزيد من الأسى لرؤية الصدأ الذي بدأ يفعل فعله بهذا القفص الالكتروني، وما يلحقه من دموع.

مختبر.. منزل

في مختبره الشخصي، ثمة نموذج لافت يروي «قصصه الالكترونية» التي عاشها طوال العقود السابقة.

بمساحة ستمئة متر مربع وخمس وعشرين غرفة كل منها تمثل مركبة فضائية، يستقبلك بساط إلكتروني من المخططات المتداخلة، وإذا وقفت في أحد الموزعات فلن ترى أمامك أبواباً ولا جدراناً ولا أسقفاً، ففي الاتجاهات الأربعة ثمة مخططات الكترونية، ما أن تلمس جانبا منها حتى تنشق عن باب مخفي يوصل إلى غرف الكترونية متخصصة في قطاع ما، أما في الصالون فترى أجهزة تعد بالآلاف تملأ جدرانه الأربعة،

وما أن تدفع بعض مساحاتها حتى ينفتح باب يخفي غرفاً مملوءة بالتجهيزات الالكترونية… آلاف بل عشرات الآلاف من الأجهزة والدارات الالكترونية، وكأنها غابة من المعدات والأجهزة والدارات الدقيقة..

يقول حمشو: هذا المختبر يحكي قصتي الشخصية ويفسر سنوات الكفاح والعمل والسهر والتعب والجد والمتابعة..

حسان هاش

شاهد أيضاً

قطاع الدواء “مريض” والمنظومة الصحية تعاني خللاً هيكلياً

شام تايمز – دمشق أكد عضو مجلس الشعب “صفوان القربي”، أن “قطاع الدواء مريض وفي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.