ليس الحصار الاقتصادي وحده المسؤول عما يعيشه المواطن اليوم من أزمات خانقة، وإن كان يتحمل الذنب الأكبر..
فما بقي من ذنب تتحمل مسؤوليته معظم مؤسساتنا العامة والخاصة، والتي فشلت في إدارتها للملفين الاقتصادي والخدمي لأسباب تختلف من مؤسسة لأخرى، ومن مسؤول لآخر..
إذ من غير المنطقي أن تكون خطة الحكومة في مواجهة ما يسمى “قانون قيصر” وتداعياته تستند على جملة تشريعات وأنظمة متوارثة عن سنوات ما قبل الحرب على بلدنا!
ومن غير المنطقي كذلك أن الإدارات التي كانت سبباً في ظهور بعض الأزمات واستمرارها، هي اليوم جزء من الفريق الحكومي المعني بحل ومعالجة تلك الأزمات، أو أن تحال المهمة إلى إدارات غير كفوءة وبلا خبرة..!
نعم.. لدينا أوراق داخلية عديدة يجب العمل عليها، وإلا فإن الفترة القادمة ستشهد مزيداً من التأزم على صعيد جميع الأزمات التي تلاحق معيشة المواطن، وتالياً زعزعة ثقته بالدولة.
الورقة الأولى، وتتضمن تحديد التشريعات وآليات العمل التي تؤثر بشكل أو بآخر على أداء ملفين اثنين: الأول تأمين احتياجات البلاد المستوردة، والثاني إطلاق إمكانيات الإنتاج المحلي، بحيث يصار إلى تغيير تلك التشريعات أو تعديلها بما يتناسب وطبيعة ما تفرضه الإجراءات القسرية الغربية من صعوبات ومشاكل.. والمثال على ذلك قانون العقود الصادر في العام 2004، مراسيم إحداث المؤسسات المؤثرة في الدور الاقتصادي والخدمي للدولة.. إلخ.
وهذا ما يجب أن ينسحب أيضاً على ملف زيادة الإنتاج المحلي، والذي يفترض أن ينظم عمله تشريعات خاصة بعيدة كل البعد عن الأطر التقليدية، والتي لم تعد ملائمة لمرحلة “العقوبات” والحرب..
الورقة الثانية، وتتمثل في ضرورة إجراء مراجعة صريحة وشاملة لأداء الوزارات الأساسية، بغية تحديد نقاط ضعفها ومدى مسؤوليتها عن الأزمات المتلاحقة التي تشهدها البلاد، والأفضل أن تعطى هذه المهمة لفريق من الخبراء والباحثين المشهود لهم بالموضوعية والإبداع، بالنظر إلى أن النتائج المستخلصة يفترض أن تتبعها قرارات مفصلية من شأنها تصويب المسار وتحسين الأداء..
فمثلاً.. ليس هناك أدنى شك لدى أي مواطن بأن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك باتت بحاجة إلى إعادة هيكلة جذرية، بشرياً وإدارياً.. والأمر نفسه يكاد ينطبق على معظم وزارات ومؤسسات الدولة.
الورقة الثالثة، وتتعلق بالأنشطة الاقتصادية غير الرسمية، التي غدت تستحوذ على نسبة كبيرة جداً من النشاط الاقتصادي المحلي، إلا أنها تتحمل المسؤولية المباشرة عن فوات مبالغ هائلة على خزينة الدولة وعن نشوء أزمات اقتصادية خطيرة، واستمرارها يعني مزيداً من المشاكل والأزمات..!
فمثلاً.. ورغم الحديث الحكومي المستمر عن الرغبة بمكافحة السوق السوداء لسلع كثيرة، إلا أن هذه الظاهرة لا تزال تضغط بشكل سلبي وقوي على سعر الصرف والمنتج الوطني والخزينة العامة.
وهنالك أوراق أخرى يطول الحديث عنها..
مختصر الحديث… ما لم نساعد بلدنا واقتصادنا على مواجهة ظروف المرحلة الحالية بخطوات عملية، فإن ما ينتظرنا قد يكون الأسوأ.. لا سمح الله.

زياد غصن