الرئيسية » ثقافة وفنون » أدب » الملتقيات الأهلية الثقافية.. نظرة عن قرب بناء جمهور ثقافي ليس صعباً..بين «الرسمية» و«الأهلية».. متى نعيد للثقافة حاضنتها الشعبية؟

الملتقيات الأهلية الثقافية.. نظرة عن قرب بناء جمهور ثقافي ليس صعباً..بين «الرسمية» و«الأهلية».. متى نعيد للثقافة حاضنتها الشعبية؟

«المؤسسة الثقافية الرسمية تملك القدرة الأكبر على المنافسة إن كانت جادة وتريد العمل بإخلاص، لكننا اليوم بحاجة للعمل المشترك مع التجمعات الأهلية، لأن الفعل الثقافي في كل بلدان العالم هو حالة أهلية. ورغم التداخلات الإدارية بين وزارة الثقافة ووزارة الإدارة المحلية بالنسبة لتعيينات مديري المراكز الثقافية مثلاً، وما يحصل من تدخّلات لبعض الجهات التي لا تحمل همّاً ثقافياً وهاجساً حقيقياً لمعافاة البلد وتطويره، لكنني على ثقة بأننا نستطيع ذلك، لأن سورية ولّادة طاقات شابة واعدة»، هذه العبارات كانت رداً على سؤال أحد الزملاء في حوار نُشر سابقاً مع أحد مديري الثقافة في مدينة دمشق، ولعل في إجابته الكثير من ملامح العلاقة الحالية والضرورية التي يمكن أن ترتسم بين الثقافة الرسمية والأهلية، وضرورة تكاملهما معها، بحيث لا نبقى أسرى الكم الهائل من الفعاليات والنشاطات التي ترسم ملامحها وزارة الثقافة ومديرياتها في جميع المحافظات، وبعضها لا يلقى صدى، أو لا يحضره سوى عدد محدود جداً من الأشخاص، ربما لا يتجاوزون في بعض المرات سوى الخمسة أشخاص بمن فيهم بعض موظفو المركز الثقافي، لذا من الواجب والضروري والملح أن نُعيد تفعيل دور المراكز الثقافية باعتبارها الحاضن الأهم والأساسي للتنمية الثقافية، من خلال تعزيز الحضور الفاعل للمجتمع الأهلي ضمن تلك المراكز، بحيث لا تبقى النشاطات لمجرد ملء جداول ومن ثم تقديمها لأولي الأمر من أجل نيل الرضا، لأن الأهم أن تكون تلك النشاطات في صميم العلاقة مع جمهور الأحياء التي شيدت فيها تلك المراكز الثقافية، فمن دون تلك العلاقة، لا تستطيع الثقافة أن تؤدي دورها المطلوب منها، في التنمية والتوعية وتحقيق الأثر، ولاسيما أن الأعباء المعيشية الآن، باتت ضاغطة إلى الحد الذي عاف به المواطن الثقافة، وعزز فكرته عنها بأنها خاصة بالنخبة، ولا ضرورة حقيقية لها، وهنا يأتي دور القائمين على المراكز الثقافية، لإعادة الوعي بأهمية الثقافة كعامل أساسي في مواجهة الحرب، وتعزيز الفكرة القائمة على أن العمل الثقافي هو ابن بيئته، ولا ينبغي أن يتخلى عنها، في مقابل تهويمات لا تغني ولا تثمر، فالثقافة عموماً من دون إرادة شعبية لتنميتها تبقى في برجها العاجي وبلا أي قيمة على الأرض.
من هذه النقطة بالتحديد، قامت الكثير من النشاطات الثقافية الأهلية قديماً وحديثاً، وكان جُل اهتمامها هو إعادة صلة الوصل بين الثقافة وجمهورها، بحيث لا تبقى منعزلة عنهم، ولا يبقون في خشية من الاقتراب منها، وهذا ما حصل عند انتشار منتديات الجمعيات الخاصة والملتقيات الثقافية الأهلية التي أخذت على عاتقها تصويب العمل الثقافي الرسمي وفشله في رسم ملامح الذهنية الاجتماعية وصبّها في البوتقة الثقافية، وتالياً خلق ثقافة بملامح واضحة يمكنها أن تقف في مواجهة الجهل والتطرف والفساد وغيره مما كانت مسببات لما نحن فيه الآن.
ولا ندعي هنا بتاتاً قدرة تلك التجمعات الأهلية ونشاطاتها على رأب الصدع الكبير، بل على العكس ثمة من أدى دوراً معاكساً، بحيث لم تكن هناك توجهات واضحة، ولا مشروع حقيقي، وإنما محاولات بسيطة لملء الفراغ الذي تركته المؤسسة الرسمية، التي ما فتئت تسعى للاستئثار بالدور الثقافي وحدها من دون شركاء أهليين، رغم أن التوازن بين الجانبين، كان سيحقق النتائج المتوخاة، لكن للأسف فإنه حتى تلك المراكز الرسمية ظلَّت من دون رؤية واضحة للعمل الثقافي، إذ اقتصرت على مجموعة من المحاضرات التي لا يحضرها إلا ما ندر، ومعارض لا يتابعها إلا أقارب الفنان وأصدقاؤه، وأمسيات موسيقية من الدرجة الخامسة، من دون أن نُلغي بعض الحالات الفردية، التي استطاع مديرو بعض المراكز الثقافية أن يحملوا على عاتقهم أمر النهوض بالثقافة ضمن المنطقة التي يتوسطها المركز، من خلال مشروع مستمر على جميع الصعد، بما في ذلك السعي لربط المركز بالأهالي وأبنائهم عبر مجموعة من النشاطات ليست ذات الصيغة الثقافية البحتة، وإنما من خلال ورشات ودورات تقوية ومتابعة للمناهج الدراسية، ولعلها خطوة معقولة في طريق إكمال الدائرة بين الثقافة عموماً وجمهورها، لكن ينقصها الكثير، وفي أوليات ذلك الإيمان بضرورة إعادة الثقافة إلى أبنائها، والانطلاق منهم ومن احتياجاتهم الثقافية لتشكيل قاعدة مهمة من الثقافة الشعبية ومرتكزاتها الأساسية، بحيث لا تبقى الثقافة في عزلة تامة، ولا يبقى الأفراد في نفور من عجرفتها البادية في كثير من الأحيان، إذ إن بناء «جمهور ثقافي» ليس بالأمر الصعب، وفي الوقت ذاته ليس شائكاً إلى الدرجة التي تُعوق تحقيق هذا الهدف النبيل، لكن الموضوع بحاجة فقط إلى إيمان بأن المنجز الثقافي عموماً لن يتحقق من دون الصدق في العمل، والانتماء الحقيقي إلى ثقافة الوطن، بعيداً عن العقلية الوظيفية والمنفعة والمحسوبيات ومختلف الأمراض الأخرى التي تعانيها عموماً الثقافة الرسمية، لكن المتابع لحركة الثقافة بشقيها الرسمي والأهلي، يستطيع القول إن ما تم إنجازه في مواءمة الثقافة مع المجتمعات المحلية، ليس إلا مخاضات لم تلد شيئاً له قيمته حتى الآن، لكن ربما الزمن كفيل بتحقيق ذلك، وعلى الأغلب أن يحتاج المولود الموعود عناية خاصة وحاضنات ثقافية تقيه شر الظروف القائمة، بحيث لا يصيبه اليرقان أو يموت في أيامه الأولى، ونتمنى على المراكز الثقافية مستقبلاً أن تقوم بهذا الدور.
وهنا أشير إلى ظاهرة لافتة اليوم، وأظن إذا ما استمرت أو تم إيجاد الظروف لاستمرارها فإننا سنشهد نهضة ثقافية مجتمعية مهمة، تمثلت هذه الظاهرة في توفير المنابر الثقافية الرسمية لفعاليات الملتقيات والنوادي الأهلية والمدنية، بمعنى أننا نرى ثمة إتماماً للفراغات في الثقافية الرسمية تملؤه بما تقدمه الملتقيات الأهلية والمدنية على منابرها وبرعايتها، وهذا في تقديري شأن ثقافي باذخ وجميل ولاسيما أن ما تقدمه النوادي الأهلية يميز بحفاوة شعبية تفوق شعبية الثقافية الرسمية، وننوه أخيراً بأن وزارة الثقافة تقوم مؤخراً بإعطاء الرخص لهذه النوادي والملتقيات الثقافية لتقييم فعالياتها بشكل منظم.

شاهد أيضاً

شاعر أغاني كاظم الساهر بعد إصابته بالسرطان: أمامي رحلة علاج طويلة

أصيب الشاعر كريم العراقي بسرطان الأمعاء والبروستات، مما جعله ينتقل إلى أحد مستشفيات أبو ظبي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.