الرئيسية » ثقافة وفنون » أدب » النوادي والملتقيات الثقافية «الأهلية»… «مجاكرةٌ للحرب» وكسرٌ للنمطية أم «بريستيج» ثقافي؟

النوادي والملتقيات الثقافية «الأهلية»… «مجاكرةٌ للحرب» وكسرٌ للنمطية أم «بريستيج» ثقافي؟

لعل أكثر ما يُقلِقُ شريحة الشباب أثناء الحرب ومع التغيّرات القاسية التي يخلّفها غياب الأصدقاء ورحيل الأحبة والأهل وفقدان أمكنتهم وقراهم ومدنهم هي أن يؤسسوا لمشاريع ثقافية تنضجُ من تحت الركام والخسارات. بعضُها يتحايل على ضغوط متنوعة، وبعضها الآخر هو صوتٌ بديلٌ عن السائد والمكرّر.
وهناك رأيان سائدان اليوم: أحدهما يقول إن المؤسسة الرسمية تحتكر النشاطات الثقافية وتمارس دوراً رقابياً خانقاً على ما يُعدُّ حريةً شخصية في القول والتعبير. وهناك من يقول إنه عندما أفردت وزارة الثقافة المجال والحرية للفعاليات الثقافية الأهلية كي تقام مع هامشٍ أرحب؛ تحوّلت تلك المنابر الثقافية إلى «أماكن للركاكة» و«التسطيح الفكري والهشاشة المعرفية» التي تُقدَّمُ على أطباق من «البريستيج» و«الّلايكات الفيسبوكية»!
«تشرين» التقتْ عدداً من القائمين على هذا النوع من المشاريع وطرحتْ عليهم هذا السؤال المحوري: هل تحمل هذه الملتقيات في طياتها نوعاً من المداورة أو هروباً من ضغط المؤسسة الثقافية الرسمية أم هي نشاطات بديلة لا أكثر؟
فكان لـ«حنين أحمد»- منسقة المشاريع في «حركة البناء الوطني» المدنيّة رأيها، تقول: «نحن حركة مدنية للعمل المجتمعي منذ 2015، ولدينا هامش متاح للعمل في ثلاثة قطاعات، الأول: الهوية والانتماء من ضمنها القطاع الثقافي، الثاني هو الحوكمة والإدارة المحلية، والثالث هو المجتمع المدني وتنمية قدرات الشباب السوري والمرأة السورية. وهامش الحرية موجود لدينا لأن أهدافنا ورؤيتنا واضحتان للعمل المدني في سورية بعيداً عن الصدامات المباشرة مع السلطة، مع وعي واضح لكيفية استثمار الأنشطة لتدريب كوادر تعمل على التقديم لانتخابات الإدارة المحلية بعقلية جديدة».
وفيما إذا كانت غاية الأنشطة هي الخلاص من ضغط رسمي ما، أضافت أحمد مبتسمةً ابتسامةً ملغزة: «لأكون دقيقة، ليس هناك هروب أو مداورة أو مناورة بالمعنى الذي تلمّح إليه، إنما هناك نشاطٌ «مدنيّ» وليس «أهلياً»، وهنا من الضرورة توضيح أن مفهوم «مدني» هو ليس مقابل لكلمة «عسكري» إنما مقابل لكلمة العام والخاص. وهو أيضاً ليس نشاطاً «أهلياً» لأن كلمة «أهليّ» متعلّقة أكثر بالحيّ أو بالحارة أو بالمجتمع الضيّق لبيئة ما».
وتوضّح أكثر طبيعة عملهم بالقول: «نحن نضمّ ونتفاعل مع كل الشرائح الاجتماعية ونشاطاتنا الثقافية ومشاريعنا مثل «سينما بناء» و«فوتوبيا» مثلاً هي ليست للهروب من تقييدٍ بمعنى المنع إنما للخلاص من «التنميط» و«التكرار» و«عدم وجود رؤية بعيدة المدى» للنشاط الثقافي الرسمي وكثرة الفعاليات على حساب الشيء الأهمّ أي النوعية التي تؤثر في جمهور أكبر من جمهور المراكز الثقافية الرسمية. أعتقد أننا هنا في الحركة لدينا رؤية واضحة تثبتها نوعية الشباب الذين يحضرون وعددهم واستمرارهم في ارتياد الأنشطة الثقافية التي نقوم بها والدلالة المباشرة على ما أقول هو الحضور الكثيف لـفيلم اليوم كما ترى».
كما قال الطبيب أحمد الحسن وهو المشرف على مشروع «سينما بناء»: «فكرتنا نابعة من أن نكونَ مسؤولين نحو مجتمعنا السوري في أمور ثقافية تهمّ الناس لأن هذه النشاطات هي مسؤولية المجتمع وحقٌّ من حقوقه في الوقت نفسه، بمعنى ألا تكون هذه الفعاليات محصورة بالمؤسسة الثقافية الرسمية أيّاً يكن الحقل المعرفيّ الذي أُسِّستْ من أجله».
ويقدّم لنا مثالين هما «مشروع النادي السينمائي» ومشروع «تأملات في الصورة/photopia» قائلاً: «لدينا هذان المشروعان كأنموذج لما نفعله ولا أراهما هروباً من سطوة مؤسسة السينما أو من تضييقات معينة تقوم بها وزارة الثقافة ولا «بريستيجاً» أو «بهرجة» إعلامية، إنما هما ينبعان من حاجة إلى متنفَّس وفسحة حريّة إضافية، فليست دور العرض التجارية ولا المؤسسة بقادرين على أن تغطّيا هذه الحاجة، إضافة إلى المخزون من أفلام الشعوب التي استطعنا عبر معارفنا وبجهود جبارة أن نستقدمها ونترجمها بشكل حصري وخاص لجمهور النادي وهذا ما لم تقدّمه مؤسسة السينما الرسمية».
فيما يقول الكاتب علي الراعي «مدير الملتقى السوري للنصوص القصيرة/الأدب الوجيز»:
«في الحقيقة عندما أسسنا الملتقى سنة 2011 لم يدُرْ في ذهننا مثل هذا السؤال؛ لكن في تأمّل التفاصيل الكامنة في السؤال قد يكون الجواب هو في كل ما يتضمنه من استفهامات. بمعنى قد يكون «هروباً» من بيروقراطية المؤسسة الثقافية الرسمية من ناحية، وربما تمكن قراءته احتجاجاً على نتاجها، وقد يكون أيضاً لأنها تُغيّبُ بعضَ الشخصيات والأنواع الإبداعية بعينها، والتي هي غايةُ الملتقى، وأخيراً قد يكون استكمالاً لما تنتجه المؤسسة الثقافية الرسمية وليس تعارضاً معها، لذلك فضّلنا دائماً أن نقيم النشاطات بعيداً عن المراكز الثقافية الرسمية قدر الإمكان واخترنا الاتجاه نحو أماكن أهلية مثل «العاديّات» والمقاهي الشعبية وهذا في حدّ ذاته نوع من إشارة إلى رغبتنا في الابتعاد عن جوّ الثقافة الرسمي السائد».
ويضيف الراعي: «علماً أن الدافع الحقيقي لإقامة هذه الفعاليات هو نوع من «مُجاكرة» للحرب عبر مناحٍ جمالية إبداعية تقف ضدّ الخراب والتدمير والقتل العشوائي».
وتبدو فكرة البدائل وتوفير الهواء المختلف والفضاء الذي يحتضن الحديث من الفعاليات الثقافية فكرة محورية ومتشاركة بين المشرفين على تلك الملتقيات الأهليّة.
فالممثل الشاب «باسل طه» (العامل في دوبلاج الأعمال الدرامية) ومدير مشروع «شغف» يقول أيضاً: «فعالياتنا ذات طبيعة فنية وثقافية مثل توقيع دواوين لشعراء محليين أو عروض لأفلام من إنتاجات مستقلة مع حضور المخرجين وصناع العمال وحوارات معهم، بمرافقة عروض موسيقية سولو أو جماعية».
ويضيف طه: «إنّ «شغف» أخذ اسمَ مشروع وليس منتدىً أو ملتقىً لأن له أهدافاً تفاعلية وليكون شيئاً مستمّراً بمعنى المشروعية والأحقيّة في الوجود، ولكي يكون أكثر قرباً من الشباب عبر نشاطات يمكن أنْ نصفها بأنها عصرية أو حداثيّة بما تحمله الكلمة من معانٍ متجددة في عصر السوشيال ميديا الحالي».
ويختم طه: «للأمانة لم يتعرض مشروعنا لأي مضايقات منذ تأسيسه عام 2008 لكن للأسف لم يتم دعمه من أي جهة رسمية أو خاصّة، إنما كان هناك شيء من مساعدات من بعض الجهات الخاصة التي تقدّم لنا المكان/المقهى الذي نستضيف فيه فعالياتنا المجانية وغير الربحية بالمطلق ولذلك توقفنا حالياً فترة مؤقتة أملاً بانطلاقة جديدة وقفزة نحو الأفضل».
ويبدو أن مؤسسي «دار مدى الثقافية» لديهم استراتيجية للعمل كنوع وأسلوب مختلف ليست مطابقة للنشاط الرسمي وكذلك ليست متناقضة معه. إذ تقول ريم الشعار- مديرة الدار: «ببساطة نحن لنا رؤيتنا المستقلة وأسلوبنا الخاص في العمل وكل ذلك تحت سقف الدولة وهي تالياً لا تتعارض مع النشاط الرسمي ولا هروباً منه ولابدّيلاً عنه. نحن نرى ببساطة أن عمل المجتمع المدني يواكب ويتمّم عمل مؤسسات الدولة. ومادام الهدف واحداً فالطرق إليه متعددة ونحن في «مدى» لنا طريقنا الخاص. خذ مثلاً نشاطنا الأخير حيث قمنا بتكريم كل من الشاعر والأديب شوقي بغدادي والمؤلّف الموسيقي أمين خياط والباحث الفلكي نبيل البيش ومدير جمعية ساعد عصام حبال ومديرة المركز الثقافي العربي في «أبو رمانة» بدمشق رباب الأحمد والفنان المميز زيناتي قدسية… وفكرتنا الأساس من وراء التكريم هي أن نقول شكراً من القلب لكل مَنْ يعمل ويتعب وينجز ويبدع ويترك أثراً في الوجدان السوري».
وتضيف: «لقد كان الهجوم على العقل الجمعي السوري والحضارة السورية أحد جوانب هذه الحرب «البشعة». نحن في «مدى» ندافع عن سورية بالثقافة والفكر. أقمنا الكثير من النشاطات تحت القذائف والتفجيرات… إنه ردُّنا الحضاريّ على حربهم البشعة».
فيما كان للإعلامي أحمد بوبس رأيٌ قاسٍ ونقدٌ صريح، إذ في اعتقاده: «إنّ من أكبر المصائب التي ألمّت بالحركة الثقافية في سورية هو هذه المنتديات التي تقوم بنشاطات تسمّى ثقافية ثم نكتشف أنّ من يقومون عليها ليست لهم علاقة بالثقافة. والكارثة الأكبر هي أن الندوات والمحاضرات التي تحصل ضمن فعاليات تلك المنتديات تحدث باللهجة العاميّة. للأسف كانت المراكز الثقافية هي الحاضن الأهم لرموز ثقافية. اليوم نجد أيضاً أن ظاهرة «الدكتوراه الفخرية» أو «شهادة تقدير شعريّة»… ونجد أن بعض الشعراء «الطارئين» على الشعر يحصلون في أسبوع واحد على عشر شهادات تقدير وعدد من شهادات الدكتوراه الفخرية الوهمية وإنْ بحثتَ عن تاريخ هذا الكاتب أو ذاك الشاعر فلن تجد له أي أثر في تاريخ الأدب أو في تاريخ الحركة الثقافية السورية.
ويقترح «أنْ تبقى المؤسسة الثقافية الرسمية هي الضابط والرقيب على شكل النشاطات الثقافية التي تقدّمها تلك المنتديات الأهلية، لأنه من غير المقبول أن يقوم شخصٌ ما لا يملك الأهلية المعرفية والفكرية بتقديم محاضرة لجمهورٍ أوسع منه معرفياً وباللهجة العامية».
رغم أن بوبس يشير إلى «التمايز والفروق الفردية بين القيّمين سواء على المراكز الرسمية أو على النوادي والملتقيات الأهلية» ويقدّم مكتبةَ الأسدِ الوطنية أنموذجاً إيجابياً فهي تُعدُّ اليوم مثالاً لا حصراً عن الغنى والقيمة المضافة التي تعطيها للنشاطات الأهلية لأنها تختار الأكثر أهمية وما يقدِّمُ المتعة والمعرفة معاً».

 

جواد ديوب

شاهد أيضاً

شاعر أغاني كاظم الساهر بعد إصابته بالسرطان: أمامي رحلة علاج طويلة

أصيب الشاعر كريم العراقي بسرطان الأمعاء والبروستات، مما جعله ينتقل إلى أحد مستشفيات أبو ظبي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.