الرئيسية » نبيل طعمة » تسونامي يصنعه الإنسان

تسونامي يصنعه الإنسان

علينا أن نستعد من الآن لاستقبال نهايةِ البشريةِ والمسيرةِ الإنسانيةِ ، إنْ بقيِنا نفعلُ تحت اسم التطورِ والاستخدامِ السيئِ للمادة في العِلم الممتلك ، وبشكلٍ خاصٍ من قبل الدول الصناعيةِ الثمانيةِ المسؤولةِ أولاً وأخيراً عن تخريبِ الحياةِ البشرية وإنهائها.

نسأل كيف ؟ وأجيب إن العالَمَ الذي نعيشُ فيه والكرةَ التي نحيا عليها غدا منزلاً يحتاج لترميمِ الخبيرِ وبعجالة ، فالغذاءُ الذي نمتلكه بدأ ينفذُ والماءُ الذي يحيينا أخذ بالانحسار والتجمعُ والتحولُ إلى نقمة وَوَبال وسيُغرقنا ويقتلِعُنا من جذورنا، والأوكسجين نتقاسمه أو سنتقاسمه كما يتقاسم الجياع الخبز .

نعم لنستعَّد ولنصنعَ الفُلك ولنعتلَي رؤوسَ الجبال، فلن تحمينا السهولُ والهضاب ، وستبتلعُنا الوديانُ لا مَحالة ، بكون الطوفان قادم ، أي تسونامي العصر الحديث وكلنا يعلم أن التاريخ يكرر نفسه .

إنها النهاية قادمةٌ والمؤشرات والمعطَياتُ دالّةٌ على ذلك ، ودلالاتُها بدأت تُلقي علينا ظلالَها وتطلبُ منا الانتباه والحذَرَ وأخذ الحيطةِ والإجراءِ السريعِ لإنقاذ ما أمكن .

فإذا حلَّلنا جزءاً من هذه المعطَيات فماذا نجد ؟ وإلى أين نصل عبر مسيرة الحياة المعاشة بكل حضورِها وألقِها وعنفواِنها ، وقد لا يتجرأ أحدٌ على طرح ما نطرُحه ، ولكنَّ توجُهَنا خوفاً على مُجملِ الحياةِ المادية والروحية ، وغايتنا إصابةُ كبدِ الحقيقةِ و الإشارة إلى مكامن الخطأ ،التي يجب أن لا ترْبِكَنا بل تزيدُ الوعيَ وأخذُ الحيطةِ والتعمقُ بحياتها لإطالة عمرِ الإنسانية الذي بدورِه يكون عمرَ الحياة والتي تشملُ الأرضَ والحيوانَ والنباتَ والجماد،

وإطالةُ عمرِ الأرضِ يعني إطالة عمرِ منازِلِنا ومكوناتِ حياتنا التي تحمينا، وتحمي تطلّعاتِنا السائرةِ إلى الأمام صعوداً من أجل الاستمرار، لا نزولاً من أجلِ النهاية .

إننا نعيش على كرةٍ ماديةٍ تحيطُها كرةٌ لاماديةٌ تسمح بمرورِ الضوءِ وضَمن توازنٍ شفافٍ ولا تسمَحُ بخروجِ شيء منه.
إن انعدامَ الانتماءِ للأرض، والانشغالَ في الحياةِ الماديةِ ، والسعيَ السريعَ وراء تحقيقِ الحضورِ المادي ونسيانَ المكونِ الأساسيِ والمتكونِ الأرضُ والسماءُ ومابينهما واستخدامَ العلم كأداةِ سيطرةٍ لا كأداة حمايةٍ للإنسان، أبعدَ كثيراً الانتباهَ لما يجري على كوكبنا ومحيطِه وإذا استفقنا الآن قد نُحسِنُ أن نَصنع شيئاً لحياةِ الأجيال القادمةِ وإلا فالنهايةٌ آتيهٌ بلا ريب.

هذه الأرض التي سقفُها طبقةُ الأوزونات ، وكأنها السقفُ الذي يمنُحنا الجاذبيةَ للحركة ضِمن الأرضِ وتشكل سماءً حاميهً من الإشعاعات الكونية ، والتي تخفضُ درجةَ الحرارة  إلى 50 درجة في خط الاستواء والأوكسجين محفوظٌ تحت هذا السقفِ الذي يحميه من الفساد أي يحمي الحياة بمجملها ويكون الغطاء الواقي لحمايتها ، أي ضمن المنزل وكذلك الماء والغذاء ،

لقد كان عدد سكانِ الأرض في العصورِ الأولى لا يتجاوز المليوني نسمه في عهد إبراهيم الخليلِ عليهِ السلام ، وفي زمن السيد المسيحِ وصل لستِ مئةِ مليون شخصٍ وفي عام /1900م/ بلغ  ملياري نسمة ، واليوم صار سكانُ الأرض ستة ونصف مليارِ نسمةٍ فماذا يعني لنا هذا ؟

وإذا أخذنا الأنفاسَ الصاعدةَ من البشر ومخلفاتِهم ، ونواتج صناعاتِهم الطبيعيةِ قبل الثورة الصناعية ، وحرارةَ حركاتهمِ وعملياتِ التمثيلِ الضوئي في النبات ، وتحليلِ المواد العضوية التي تطلِقُ عشرَة أضعافِ غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي ، والذي يتناسق وتحتاجه النظم البيئية المرسومة من خلاله ( وإنّا كلَّ شيءٍ خلقْناه بقدرٍ )

فما هي النتيجة ؟ إن التوازن البيئي ضمن الحدود المطلوبة في الشروط النظامية للحياة مدروس بدقة وتتفاعل منتجاته بشكل طبيعي والتي تحافظ على نفسها وعلى كل آليات النظام الحياتي هذا كان قبل الثورة الصناعية .

أما بعد الثورة الصناعية وتقدمها الهائل والانفلات العنيف من أجل أحداث عملية التطور واللجوء إلى ثقافة السرعة لجني الربح السريع وتحويل كل شيء إلى استهلاك والذي تطلب بدوره وجود المستهلك ومن خلال الترابط العضوي ما بين المُستَهلِكْ والمستَهلَكْ والمصَنّع والذي نتج عنه مخلفات هائلة تنفلت سموماً وإضافات لا تحتاجها العملية البيئية في الجو ودون إيجاد نظام للسيطرة ،

أدى كل هذا إلى ارتفاعَ درجةِ حرارةِ الجو التي بدورها تضغط كجهاز الميكرويف لترفع درجة حرارة الأرضُ وإن انحصارُ هذه الحرارة بين السقفِ والأرض أي ضمنَ الغلاف الجوي ، والذي يعكِسُها لتعودَ فتذيبَ الجبالَ الجليديةَ وتحرِقَ الغاباتِ وتنهيَ حياةَ الحيوانِ والنبات المعتادِ على تنِوّعِ وجودِهِ في درجاتِ حرارةٍ طبيعيةِ وهذا يؤدي إلى التصُّحِر وزيادتِه والأعاصيرِ المدمّرةِ والفيضاناتِ الهائلةِ ، وفي مجموعِه يؤدي إلى طوفانِ نوحٍ القادمِ لا مَحالة (( تسونامى ))  .

إن احتباسَ الحرارةِ ضمنَ الغلافِ الجوي ، والفقدانَ التدريجيَ للأوكسجين وزيادةَ الكربونِ والهيدروجين ، والنشاطَ البشري تكاثراً وبحثاً تدميرياً دائماً ، من خلال الإنتاج المستمرِ للطاقةِ النووية وزيادةَ المخلفاتِ الصناعية والنهبَ الهائلَ لثَرَواتِ الأرضِ ظاهراً و باطناً ، وبشكلٍ عشوائيٍ وجشعٍ وحدوثَ الفراغاتِ في البنيةِ الأرضيةِ التحتية ، أدى إلى وجودِ خللٍ هائلٍ في التركيبة الأرضية يؤدي بدورِهِ إلى تحُّركِ الصفيحاتِ التركيبية الأرضية ،

وينشئ الزلازلَ والبراكينَ كما يؤدي إلى ارتفاعِ مياهِ البحارِ ، وبدءِ الانهياراتِ في القطبين المتجمدين وذوبانِ جبالٍ جليديهٍ بكاملِها مما يدفعٌني لأعودَ لأقول إن تسونامي نوحٍ قادمٌ لا مَحالة من خلال هذا الاحتباس الحراري ضمن الغلاف الجوي ،

والذي بدوره سيزيد عملياتِ التَبخرِ من البحارِ بشكلٍ طبيعي ، مما يحوّلُ الأمطار إلى أمطارٍ قاتلةٍ مدمرةٍ قد يستمر هطلُها أياماً وأسابيعَ مما يؤدي إلى جرْفِ ليس للتربةَ فقط بل الهضابَ والجبالَ ، وإن الرؤيةَ القائلة بانتهاء الحياة على الأرض في حالة ذوبان جليدِ المتجمدِ الشماليِ ،

ومانراه اليوم من انفصالِ جبالٍ جليديةٍ وذوبانِها في المحيطاتِ لَهُوَ خير دليل على مانقول .

لقد جرى هذا في الدورةِ الأخيرة للحياة الأرضية وما تفسيرُ القَصَصْ الدينيِ الواردِ عبر الكتبِ لخيرُ دليل لقوم يعقلونُ ، ولقومٍ يتفكّرون ، فتفكروا يا أولي الألبابِ لعلّكم تعقلون ، تفكروا في الدراساتِ التي تبحث عن فُلْكِ نوح وبواسطة أحدثِ طرقِ البحثِ العلمي ومنها الكربون 14 والنظائر المشعة في طوفان نوح الذي وصل ارتفاع الموج فيه إلى /760/ متر ،

فما الذي جرى في ذلك الوقت وماهي الأسباب التي أدت إلى ذلك الطوفان والذي ذهب بالسوادُ الأعظُم من البشر وإن من يقرأ القَصَصَ الدينَي ويحملُ الكتَب المقدسَة يعلم الكثير عن تلك الأسباب ، ولكن هل تم تحليلُ ذلك علمياً وما جرى ماهو  إلا إشاراتٌ لما حدث في الماضي وما التفكر والمقاربة لما سيأتينا من الآن وإلى الزمن القادم إلا غاية امتلاك العبرة .

فَمِنْ كل ذلك نستنتج إن الإنسانَ هو المسؤوُل الأولُ والأخيرُ عن التغّيراتِ والمتغيرات التي تحُدثُ على الأرض ، وفي عمقِها وفوقَها وما بينها وبين سماءِنا المُشَّكِلَة لمحيطنِا الحافظِ لنا، ولكلِ الأحياء ، فالتغيرُ المناخيُ وارتفاعُ درجةِ حرارةِ الأرضِ وانحباسُها ضمنَ الغلافِ الحافظِ والمتشكلِ كما أسلفنا من طبقةِ الأوزوناتِ والايوناتِ والستراتوسفير ،

والذي بدأ يتآكل في بعض نقاطِه مما يؤدي إذا استمر ذلك إلى حدوث ثقبٍ فيه فتدخلُ الأشعةُ الكونيةُ لتنهِيَ حياتَنا وحياةَ كلِ شيء ، وقد تنجذب الكرةُ الأرضيةُ إلى الشمسِ لتبتلعَها وتعيدَ كَّرة ثانيهً حادثةَ الانفجارِ العظيمِ من جديدٍ ، ليتشكَّل كون جديد لا ندري يحصل أو لا يحصل ، أو حادثة الفتق والرتق .

وإذا دَرسنا حالةَ غازِ الفريونِ المستخدم في عمليات التبريد والتخزينِ ، والذي لاينَحلُّ في الهواء بل يشكّلُ كتله حجمية ترتفعُ إلى الفضاءِ لتشكّل كتلةً تعملُ على تآكلِ طبقةِ الأوزون ، مما سيؤدي إلى انثقابِ تلك الطبقةِ ،

ومن هنا محاولةُ العلمِ الحديثِ الاستعانةُ بفريون جديد رقم /134/ بدلاً من فريون /12/ وفريون /E  404/ وفريون /507/ بدلاً من فريون /22/ إضافة إلى أن عددَ المدّخنين في العالم بلغ حتى يومنا هذا ما يعادل ملياراً ونصف مدخنٍ يدخنّون ما يعادلُ ستين إلى سبعين مليارِ سيجارةٍ يومياً وهذا العدد يشكل عموداً من الدخان أو مدخنه قطرها يعادل من 30-40 كم تنفث الغازات على مدى 24 ساعة .

كما أن عددَ السياراتِ في العالم اجمع في عام 1950 كان عشرين مليونَ سيارةٍ وإذا أخذنا عوادم السيارات لشكلت مدخنة قطرها من 50 – 70 كم بينما اليوم يمتلك العالم اليوم ما لا يقِلُّ عن ملياريِ سيارةٍ بالإضافة للحرارةٍ المنبثعة من طاقةِ الحفر والاشتعالِ والطاقةِ الكهربائيةِ وعمليات التدفئة والنظام الانباتي عبر البيوت البلاستيكية والزجاجية والحروبِ التي تستخدمُ كُّل التقنيات الفتاكة لتدمير الأرضِ والإنسانِ والتجاربِ النوويةِ  .

كُّل هذا يدلنا على أن الفعلَ المسيءَ لمُناخنا وحياتنا هو نِتاج النشاطِ الإنسانيِ لقد كان عددُ سكانِ سوريا في عام 1950 خمسة ملايينَ نسمةٍ وخلال خمسين  عاماً تضاعف ليصبحَ 20 مليون نسمةٍ فلنقِس هذا على العاَلم ونتأمل إلى أين نسير .

من هذا نجد أننا نحن البشر نتحَّمل المسؤوليةَ الكاملةَ فالنشاطُ البشريُ وبكلِ أنواعِه والذي تنجزه كافة الشرائح ومساهمةً فيه، وبالطبع تقع المسؤوليات بدرجة أكبرَ بكثيرٍ على عاتق الدولِ الكبرى ومجموعة الثمانية ، والتي يضاف إليها دولٌ لتصبحَ اثنتي عشر دولة تحمل أكبرَ المسؤولياتِ وتحمل بقية الدول جزءًا من المسؤولية من خلال ضعف امتلاكِ الحالاتِ العلميةِ التخصصيةِ المتفهمة لنظام البيئة والمناخ المحيط لكونها، تتصرّف بعبثيه وبعدمِ فهمِ عملية التصرّف .

فمن لم يُفِقْ حتى الآن ، فعليه أن يسأل نفسه ماذا ينتظر حتى يستشعر الخطر ؟ إننا نرى بأعيننا ذوبانَ الثلوج وارتفاع منسوب مياه البحار بحدود من 15 – 30 سم الآن ، وفي نهاية القرن متوقَّع أن يصل إلى 59 – 60 سم ، إن حوارنا هذا غايتهُ قرع ناقوسِ الخطرِ والحذرِ ، فكلّما ازددنا تطّوراً تخلّفنا في فهمنا لحالة المُناخ ،

أي أنجبنا مُناخاً سيئاً ينعكس علينا كعنصرٍ ضاغط يدعونا للعودةٍ للبيئة الطبيعية .
كذلك لو راقبنا هجرة الطيور العابرةِ لسورية وكيف تضاءلت، لقد كنا نشاهد أنواعاً كثيرة تمُّر فوق بلادنا واليوم لا يمر إلا القليل هذا إذا مّر والسببُ هو التغيرُ المُناخي ، فلم يعدِ الربيع يجىء في وقته ولا الخريف يحلّ في أوانه وأصبحنا يسأل بعضُنا كثيراً أين نحن وفي أي فصل نحن !؟

الكثيُر من الحيوان بدأ ينقرضُ وكذلك الطيور حتى أنواعُها اختلفت ، ولحومُها اختلفتْ وطعمُها اختلف وبدأت الأمراضُ تكثرُ وينشأ جيل جديد من الأمراض ، وقليلاً ما نرى بهجةً للحياة فلماذا ؟
نحن بحاجة ماسةٍ لإعادةِ نمّو ما يتشكل منه الغطاُء النباتُي ليعودَ فيشكّل لنا الحياَة ولايتمُ ذلك إلا بالزراعة في كل مكانٍ ،

فالعالم يحتاج في العشرين سنةٍ القادمةِ لما يعادلُ عشرين مليارِ شجرةٍ ليتعادلَ المُناخ فإذا قمنا بهذا قد ننجحُ في إعادةِ التوازن البيئيِ ونخفّف من هذا الاحتباسِ الحراريِ.

وأن اتفاقَنا على أن نواتجَ احتراقِ الوقودِ عبرَ المواصلاتِ في جُملتِها ، وتوليدَ الطاقةِ الكهربائيةِ والأنفاسَ البشريةَ ، واستخدامَ الحيوانِ والنباتِ المهجَّن واللا موسمي ، والمعِتَمدِ في غذائِه ونموّه على المواد الكيميائية والغير عضوية ، وتحضيرَ وإنباتَ واستنباتَ تلك النباتاتِ وتهجينَ الحيوان الذي خالف الطبيعةَ والتكاثرَ الهائلَ للإنسان ،

وما يحتاجه ، أدى ذلك في مجمله إلى تكّونِ الاحتباسِ الحراريِ من خلال تحوّل المجتمعاتِ إلى مجتمعاتٍ لاهثهٍ سريعةٍ استهلاكيةٍ ، تعتمد على الآلة بكل أشكالها وهذا البحث الدؤوبُ للوصولِ بسرعةٍ وبشكل أسرعَ إلى كل شيء والامتلاك العنيف للمادة ، والحروبُ وصراعاتُها والطاقةُ النوويةُ والتجاربُ التي تتم لتطويرٍ أدواتِ التدميرٍ بشكل أدقَّ وأكبرُ .

والحرارة الهائلة الناتجة عن عمليات استخراج النفط وحرقه وكلّ أشكال الحفر واستخدامه . كلُّ هذا أدى لارتفاع درجة حرارة الأرض الذي أدى إلى الاحتباس الحراري ما بينها وبين الغلاف الجوي ، وللعلم هناك ضرورةٌ وجودِ ثاني أكسيد الكربون بالإضافة للغازات الأخرى كالهليوم والنتروجين وضمن النسب المعقولة فلولا وجودها لانخفضتْ درجةُ الحرارة تحت الصفر ولفقدت الحياةُ أسباب وجودها .

ولكن ارتفاع نسبها أيضاً مشكله وهذا الذي يحصل في هذه السنوات وهي بازدياد وإلى تفاقم ، لقد بلغت نسبة ثاني أكسيد الكربون الذي يعتبر السبب الرئيس لحالة الاحتباس الحراري 350 جزءاً بالمليون والنسبة المتوفرة قبل مائه وخمسين عام هي 250 جزءًا في المليون ،

لقد ضاقت الأرض ذرعاً بصراعنا وتصارُعنا عليها ، وعلى ممتلكاتها ونهبِ ثرواتِها والطرق المستمر على أعصابها فأخذت تتوتر وكمثال فإن ارتفاعَ درجة حرارة الإنسان عن درجته الطبيعية والمقدرة 37 درجة  يعتبر حالةً مرضيةً وأن هناك خللاً في البيولوجيا والفزيولوجيا الإنسانية .

فكيف حال بالأرض والمحيط الذي نحيا به ، ودرجةُ حرارتها ترتفع فهي تهددنا الآن إن لم ننتبه فإن لها هزة واحدة تتحول إلى زلزال مدمّر أو طوفان كطوفان نوح ، والذي بلغ ارتفاع الموج فيه إلى 760 متراً سوف يبتلعنا ويجرفُنا لكونِ السماء والأرض أدركتا أننا أصبحنا جشعين لدرجةِ أننا أصبحنا قادرين على ابتلاعها .

يجب الانتباه وأخذُ الحَذَر فنشوء الحالة المَرَضيةِ من خلال الاحتباسِ الحراريِ وارتفاع درجة حرارة الأرض نشبهها بالإنسان فالإنسانُ الذي ترتفع درجةُ حرارتِه رويداً رويداً يصلُ إلى الهلوسةِ والخلل في التوازن وكذلك الأرض ،

ومن جانب آخر أشارتِ الدراسات العلمية الهندسية إلى تباطؤ حركة الأرض مما ينبهنا إلى أنها قد تقلب دورانها وفي حالة عكسية وأثناء هذا الانقلاب قد يتحرك كل شيء عليها فلا تبقي ولا تذر ، وبهذا يصبح الشروقُ من الغربِ والغروب من الشرقِ كما المريضُ عندما يختلُّ توازنُه فتارة يسير إلى الأمام وتارةً يسير إلى الوراء .

تظهر البياناتُ المقدمةُ من الباحثين المهتمين بشؤون البيئةِ أنّ درجاتِ الحرارةِ ارتفعتْ خلالَ عام 2005 وفي السواحل الشمالية للبحر المتوسط بمقدار 0.65 من الدرجة المئوية وقد انتشر لاحقاً فوق كامل البحر المتوسط جرى هذا من عام 1961 وحتى عام 1990.

أما زيادة درجات الحرارة على المستوى  العالمي فقدرت بـ 48% من الدرجة المئوية وهو ما يجعل عام 2005 أشد الأعوام حرارةً منذ عام 1948 ، وإن الإثبات في الاعتقاد أن النصف الشمالي من الكرة الأرضية وبشكل خاص أوروبا وأمريكا الشمالية هو المسؤولُ عن هذا الارتفاع وهذا الخلل بكون تلك الدول هي الأكثر صناعة والأكثر نواتجاً لثاني أكسيد الكربون والحوامض كالكبريت الكثيف وما موت الأشجار بالأمطار الحامضيه واحتراق الجلد البشري المشاهدُ في أجساد الشعوب الأوربية والأمريكية إلا دليلٌ على ذلك .

للعلم فأن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولةُ الوحيدةُ التي عارضت اتفاقيةُ كيوتو المنعقدة في عام 1997 في مدينة كيوتو اليابانية والتي التزمت بموجبها الدولُ الصناعية بخفض انبعاث الغازات الضارة وقام هذا البروتوكول على أساس قمة الأرض التي انعقدت في مدينة ريودي جانيرو البرازيلية عام 1992 .

وكان المجتمع الدولي قد أجمع في تلك الاتفاقية على الحدّ من انبعاث الغازات الضارة بالبيئة لكي تتيح بذلك للنظام البيئي التكيّف وبشكل طبيعي مع المتغيرات التي تطرأ على المناخ وتضمن عدم تعريض الإنتاج للأغذية والإنسان للخطر والتي حضرتها 145 دولة ولزيادة العلم إن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر منتج لغاز ثاني أكسيد الكربون في العالم بالإضافة لغاز الميثان وغاز النتروز ( غاز الضحك )  والناتجة عن تنوع صناعاتها الثقيلة مما أجهض الاتفاقية .

وكانت المبررات أنه لا يؤثر على عملية الاحتباس الحراري وإن سريان هذه الاتفاقية والتي قررت فيها مائة وإحدى وأربعون دولة تخفيض نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون بنحو 5.2 بالمئة عن مستويات عام 1990 بحلول عام 2008 وحتى عام 2012 ؟

كما يأمل مؤيدوا الاتفاقية إدخال وإشراك دول العالم النامي بدءاً من عام 2012 في الحد من الانبعاثات الغازية والمعارضة الأمريكية متأتيةٌ من خوف واشنطن على مصالحها في العالم والأضرار الناجمة عن وقف كامل لبعض صناعاتها لا يدعونا للتفاؤل بها ولذلك يجب الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية والدول الصناعية لرصد التكاليف المناسبة والمساعدة في تخفيف الاحتباس الحراري وإلا فتسونامي قادم لا محالة .

لايكفي أن يكون المظهر جميلا وأنيقاً كي يكون الإنسان صحيحاً بل إن الدخول إلى الجوهر والاهتمام به هو الأساس على المظهر ، والمظهر والجوهر في وحدتهما المتكاملة لايمكن لهما أن يعيشا بأمان مالم يكن المحيط بمجمله سليماً ومعافا وبهذا نجد أن الإنسان والأرض والمحيط هم عناصر الحياة وفقدان أي منهم فقدان للحياة ومرض أي منهم يعني مرض الجميع .

هاهي ذي المؤتمرات تنعقد الواحد تلو الآخر من كيوتو إلى باريس وهاهم علماء البيئة والبيولوجيا وحتى الفلاسفة ينادون ويصرخون وعلماء الآثار يخافون على الإرث العالمي المنتشر في أصقاع الأرض يلتئمون مجتمعين ومتفردين مستصرخين النجدة  والمبادرة والمساعدة لحماية كوكبنا الذي نعيش عليه وما اجتماعنا اليوم وتبادلنا للحوار إلا لتوجيه صرخة وقرع ناقوس الخطر عبر لقائنا للأجيال القادمة هذه الصرخة المنبعثة من العقل والقلب تنادينا أن نعملَ جميعاً ومنذ الآن وأن نتوجه إلى العمل لحماية أرضنا وسمائنا وإنساننا وحيواننا ونباتنا وجمادنا .

إنني لأوجه دعوة باسمنا جميعاً نحن الحاضرين إلى دول الجامعة العربية والقادةِ العرب والحكوماتِ أن تخصِّص مبالغ لزراعة الأشجار ، وإنشاء المحميات الطبيعية ونشر ثقافة البيئة النظيفة وفلترة المصانع النافثة للأبخرة والغازات ونواتج الاحتراق ،

وإلى الانتباه لفلترة عوادم المركبات ، وتعليم نظم الاحتراق الجيد من خلال تخصيص برامج تلفزيونيةٍ وإذاعيةٍ وصحفيةٍ لزيادة الوعي البيئي والتنبيه إلى أن البيئة الجيدة النظيفة تحمي الأرض والإنسان أقولها وأوكد : لنبدأ الآن ، قبل فلاتُ ساعةُ مَندمٍ.

د.نبيل طعمة

شاهد أيضاً

عالمٌ أمني

حديث الولادة، جديد وحديث ومستحدَث، يعمل على إنهاء الحبِّ وإحلال النظام والانتظام، بحكم التكاثر والتصاق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.