الرئيسية » وجهات نظر » دعماً لموازنة الدولة

دعماً لموازنة الدولة

دفعني لكتابة هذا المقال ما سمعته في الأخبار بأن وزير المالية قال في حديث له إنه ليس من المعقول أن يقوم موظفون في المالية بتعليم التجار على كيفية التهرب من الضريبة وأن وزارة المالية بصدد إعداد تشريع ضريبي جديد.
ذكرّني هذا التصريح بما سبق وقاله وزير مالية سابق منذ أكثر من عشر سنوات أمام مجلس الشعب بأن مراقبي الدخل يفوتون على خزينة الدولة عشرات المليارات نتيجة تلاعبهم بتحقيق الضرائب المستحقة على التجار.
وكنت أتوقع منذ ذلك التاريخ أن تتخذ الإجراءات الكفيلة بالتصدي لظاهرة التهرب الضريبي ومحاسبة العاملين في الدوائر المالية الذين يتواطؤون مع المكلفين، وكذلك محاسبة المحاسبين القانونيين الذين يعتمدون البيانات الضريبية المقدمة من التجار وسائر المكلفين وفقاً للقانون 33 وغالباً هم الذين يعدونها وتظهر أرباحاً ضئيلة أو خسارة.
علماً أن الدوائر المالية لا تعتمد ما يظهر في هذه البيانات الضريبية وتقوم اللجان المختصة بفرض الضريبة التي تراها، ورغم ذلك فإن الضريبة المحققة تبقى أقل بكثير من الضريبة المتوجبة على الأرباح الحقيقية.
وهنا أسأل: ما الإجراءات المتخذة بحق هؤلاء المراقبين والمحاسبين القانونيين؟ وما الإجراءات المتخذة لوضع الضوابط والأسس التي تحد من التلاعب بالتكليف الضريبي؟ لم أسمع عن أي إجراء بهذا الصدد.
كتبت مقالاً في صحيفة «الوطن» نشر بتاريخ 12/12/2016 بعنوان «هموم معيشية» ذكرت فيه أن هناك وجهاً آخر للفساد يتمثل في قيام بعض المحاسبين القانونيين بمساعدة التجار وأصحاب الأعمال للتهرب من دفع الضرائب المستحقة عليهم من خلال اعتمادهم ميزانيات غير حقيقية لا تظهر الأرباح الفعلية، وأن هذا الأمر شائع منذ زمن طويل، وأخذ شكلاً قانونياً عندما فرض القانون على المكلف تقديم البيان الضريبي معتمداً من محاسب قانوني، وأن ذلك أدى إلى فوات عشرات بل مئات المليارات على خزينة الدولة وهذا ما صرح به أحد وزراء المالية السابقين.
وتساءلت في مقال نشرته صحيفة «الوطن» بتاريخ 12/3/2018 بعنوان: «المسؤولية والشفافية» لماذا لم تصدر وزارة المالية بياناً بقيمة المبالغ التي استردتها من الفاسدين؟ وذكرت أننا سمعنا كثيراً عن فاسدين أحيلوا للقضاء وقضوا مدة محددة في السجن وخرجوا بعدها من دون أن يسددوا المبالغ المحكومين بها، وبعد فترة عادوا إلى حياتهم الطبيعية ليتنعموا بثرواتهم التي نهبوها وهربوها خارج البلاد، وتساءلت أيضاً: ألا يجب تعديل القانون ليبقى المحكوم عليه بمبالغ محددة في السجن إلى أن يقوم بتسديدها مع فوائدها وغراماتها؟ أليس من غير المعقول أن يحبس السارق المرتشي الفاسد لمدة لا تزيد على سنة مهما بلغت المبالغ التي حكم بها؟
لكن وللأسف لم يُجب أحد على تساؤلاتي وما تمنيته؟
إن واقع الحال وتراجع واردات الخزينة بشكل كبير نتيجة الأزمة التي تمر بها سورية وتزايد الأعباء المترتبة على موازنة الدولة يتطلب العمل بشكل جدي لتحصيل الأموال المنهوبة من الفاسدين والمفسدين ولاسيما الصادرة بحقهم أحكام قضائية، وإن اقتضى الأمر إصدار تشريع استثنائي يحقق ذلك.
وكذلك وضع الآليات الناجعة المتعلقة بتطبيق النظام الضريبي تطبيقاً صحيحاً، وأعتقد أن المشكلة ليست في القانون وإنما في تطبيق القانون واستغلال بعض الثغرات فيه وتفسير أحكامه تفسيراً خاطئاً خلافاً لغاية المشرع وقصده.
ولابد من وضع الآليات والضوابط اللازمة لمحاسبة ومساءلة الذين يتلاعبون بتحصيل الضرائب المستحقة للخزينة، وعلى جمعية المحاسبين القانونيين تحمل المسؤولية في محاسبة المحاسب القانوني الذي يساعد على التهرب الضريبي وتغطية العمليات المشبوهة والتلاعب في حسابات وميزانيات الشركات.
ليكون كل ذلك دعماً لموازنة الدولة.

نبيل الملاح – باحث ووزير سابق

شاهد أيضاً

المرأة السورية والليرة..

يوم زحف الشر الى حوافي أمان الوطن ، وقفز الغدر والإرهاب والإجرام إلى معظم الأمكنة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.