آناً بعد آن

آناً بعد آن

نجد أنفسنا تتجه للفلسفة والفن اللذين يحتاجان إلى الفكر الحرّ، من خلال العوامل والمؤثرات التي تؤدي إلى صياغة أيّ عبقرية، والقدرة على التأمل في الكون والإنسان معاً من زوايا الذات وإن اختلفت، لأنَّ النجاح يحتاج إلى إخضاع الحسّ للذات، الأول تحركه العواطف ويستثيره الجمال، والثانية يحركها العقل، وينيرها الاستكشاف، والدافع بينهما يحققه البعد الاستثنائي الذي نطلق عليه الجوهر، وإذا وصلنا إليه نستطيع أن نقول عن حاملهما: إنه كائنٌ اجتماعيٌّ لا يبتعد عن الوجود، لأنه مؤمنٌ بزمانه ومكانه؛ أي إنه يؤمن بالموجود، ومراقب لما يجري فيه من أحداث وأفكار ومسار آليات النظم الفكرية السائدة، ليخرج بأفكار مزاجية تجسد فلسفةً مرموقةً بعيداً عن مواقف المحيط المنافقة أو المتخلفة، فإعمال العقل غدا أكثر من ضرورة لإجابة الطَّرْفِ بعد وقوع النظر عليه.

كي لا نتفلسف أقول: كلما زاد المرء بساطةً زاد كمالاً، لأنَّ معنى البساطة الاندماج في الحق، وأعني به حقوق الآخر، ويستمتع المرء بالعيش على هامش أحلامه، ويهمل الحقائق القادمة من الحياة التي هي أجمل من الأحلام، وأنَّ الجاهل والمستهتر يشوهان كل جميل بمجرد النظر إليه، والعمل أشغال تقدمها للآخرين، تستفيد منها الذات، نتعلم منها أول دروس الصبر.

إنَّ عقولنا الشاردة هي وحدها التي تحجب جمال الحياة، بما فيها من طبيعة خلابة وبديع الصور، لأننا لا ندرك جمالها، بسبب كسلنا وخمولنا، على الرغم من تحركاتنا الناظرة المتحولة عليها من دون بصيرة.

إنَّ الهمَّ الأول للفلسفة يكمن في نقل المشهد، من مشهد لفكر المتطلع عليه، إلى فكر المتأمل فيه، ومن ثمَّ للمالك له، وأن يسكن مخيلته كفكرة فلسفية عميقة، تحرضه على إخراجها.

ما أجمل الأنثى لحظة خلع ثيابها! وإذا تأملناها وقاربنا حضورها مع شروق الشمس وهي تشقُّ حجب السماء، وفهمنا الخشوع الذي تمارسه العيون، نعلم بعدها كثرة المتشائمين الذين اغتنوا عن طريق استئجار المتفائلين، وندرك تماماً أنه إذا تقدم العظيم بضع خطوات يتبعه قومه، أما إن تقدمه زمنه، فإنهم يلحقون بالزمن من دون دراية، ويغفلون عنه.

تقول الفلسفة: إنَّ الكون والإنسان يمثلان وحدة بهية وسامية، تربطهما شمولية الأول واتساع عقل الثاني وسريانهما معاً في مجاري الطبيعة وشرايين الإنسانية، فهذه الوحدة تشدُّ كلاً منهما للآخر، ترتبك بين الفينة والأخرى، وتقلق، تتنافر، وتتشتت، إلا أنَّ واقع الحال يشير إلى بساطة الاثنين معاً، ومفتاح بوابتهما الحب، وأقفالها يعني الأخذ بالتخلف والحقد، فحينما نجيل البصيرة من خلال النظر إلى الكون، تشهد الذات الحكمة القائمة من تنظيم الكليّ، وتناسب المكونات الكونية والجسدية مع وظائفها التي وجدت من أجلها، ومنها نعلم بالتعمق في الكون، نصل إلى الإدراك أنَّ كل شيء وجد في مكانه بمقدار المطلوب منه، من دون انحراف، أو زيادة، أو نقصان.

إذاً الفلسفة والفن معنيّان بماهية الكون والإنسان اللذين يمثلان القانون والنظام والنظر في الأصول والفروع، والخروج الدائم من الظلمات إلى النور، نداول كل ذلك آناً بعد آن. من الآن نسير إلى الغد بالمعرفة والعلم اللذين يوصلان إلى الإيمان بالنتائج، وإلا فنحن متمسكون بالتخلف، لا إرادة لنا في الخروج منه، إلا إذا استخدمنا معنى الدقة الفلسفية.

أقول: إنَّ الحياة إبداع مستمر وانتقال دائم من الشيئية، للإنسانية، للبشرية. هذه الثلاثية التي تتصارع ضمن العقل، تؤيد امتداد الحياة من عوالم الحريات، إلى عوالم الحتميات، وبينهما نجد آناً مظلماً، وآناً مضيئاً، وإرادتنا حينما نسير في هذا المبحث، أن يكون الضوء مسلطاً على مسيرنا فيه، من باب أنَّ الذين اشتغلوا على أمتنا العربية ومجتمعاتنا، وبشكل خاص مجتمعنا السوري، أرادوا لها وله التخلف، من باب تحريم الفلسفة، وتحريم الفنون؛ أي إن أردت إبقاء أي مجتمع أو أمة متخلفة فألبسها لباس الدين، وبثَّ فيما بينها التكفير، وعزّزْ ثقافة الفرق والشيع والمذاهب والطوائف، وستحصد ما تتوقعه من نتائج، وفعلاً إن حللنا بموضوعية، نصل إلى أنَّ جميع أنواع التخلف العربي والإسلامي، كان بسبب تحريم الفلسفة والفنون.

للأسف لدى جامعاتنا فروع للفلسفة والفنون، تدرس فلسفات الآخر وفنونه، ولم تستطع بعد قرن من الزمن، أن تنجز فلسفة خاصتها، وفنوناً من إبداع أبنائها، لتبقى منبوذةً ومتعلقةً، إما بالديالكتيك، وإما بالعلمانية الحداثوية، حيث تُهنا بين الأبدي الذي لا نهاية له، والأزلي الذي لا بداية له، والأمدي الواقع بين البداية والنهاية، والسرمدي الذي لا بداية له ولا نهاية، وفقدنا الفرق بين الإحساس والتحسُّس، والالتماس والتلمُّس، والتجسّس والتوجّس، وفقدنا الفرق بين التلقين والتعلم والتعليم، والإبداع والتقليد، والشك واليقين، ولم نصل إلى معرفة أن أصل الضاد صاد، وأنَّ الشين قادمة من السين.

اتجه المسلمون إلى التديُّن، ولم يدركوا حتى اللحظة فلسفة الإيمان، ولا ميكانيزم الصلاة، وعلاقة التأريض التي تحصل لحظة السجود على السبعة، وهدفها تفريغ الشحنات السالبة والنهوض بصفاء ونقاء، ولا موضوع الطواف الروحي بغاية تخلص المرء من هواجس الحسد والأحقاد وانتهاك الأفكار، ولماذا سبع طوفات التي تعادل متوسط عمر الإنسان سبعين سنة، وأنَّ كل طوفة تعادل عشر سنين من عمر الاشتغال الروحي، ولا السعي الهادف لإصلاح الخطيئة المادية، وما دخل عليها من نهب وسلب واغتصاب للماديات، بالقوة أو بالاحتيال.
ما مفهوم الشيطان المسكون في أعماقنا، وفلسفة العهد والميثاق، أي إصلاح الذات، بدءاً من جوهرنا حتى البنية التي تعمل من خلالها أجسادنا؟

إذا سألت أيَّ كائن كيف يعمل المخلوق الحي؟ يجيبك بالروح، وأنَّ الله هو الفاعل، من دون أن يخوض في فلسفة علمِ «وفي أنفسكم أفلا تبصرون»، وأنَّ في داخل أي كائن حي، مهما بلغ حجمه، مفاعلاً نووياً يعمل بنظامي الوقود الصلب والماء الثقيل، وينتج طاقة ذاتية مذهلة، وإنَّ الذي اكتشف المفاعل النووي، تأمل الأجسام الحية، ووصل إلى ما وصل إليه. أما الموت الذي يطارد جميع الكائنات الحية بأقدام لاهبة، وأنفاس صفراء باردة، فلا مفرَّ منه.

الباحث عن جمال الحياة والاشتغال لها لا يفكر فيها، واللاهث وراء العيش واستلاب كل ما يصل إليه منها يرعبه التفكير به.

هل فكرنا في إجراء تجربة حية صادقة، تسجل لنا اعترافاً روحياً ومادياً، نكتبها بنبض القلب وحركة الفكر، وهل عرفنا أنَّ الظلال الأرضية لا بدَّ أنها متناثرة بدداً تحت وطئة الموت الجسدي والخلود الإبداعي إلى المؤمنين بالحياة.

أقول: لا يمكن أبداً أن يتشابه الأمس باليوم، ولا اليوم بالغد، وبما أننا أحياء، ينبغي على كلّ منا أن يؤثر فيها، وهذا لا يحدث إلا بعد أن يتأثر من موجوداتها، وإخضاع مسكونه ومسكونها للتأمل والتقاط شيء ما يذهب بعده لتعريفه وتقديمه، فالحلول متوافرة لقيامة مجتمعنا، بعد أن شهدنا على الموت الذي خطف بعضنا منا، واقتربنا منه أكثر.

آناً بعد آن، من الآن، أجد الحل للكثير من معضلاتنا الشائكة في امتلاك الفلسفة، والأخذ بالفنون، لنعلي من شأنهما، فنكون بذلك وضعنا قدماً حقيقيةً على سبل النجاح الحقيقي لا الوهمي.

د. نبيل طعمة – الوطن

 

 

شام تايمز

لتبقوا على تواصل دائم معنا والاطلاع على أهم الأخبار تابعونا على الفيس بوك عبر الضغط على الرابط التالي:

https://www.facebook.com/chamtimes

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com