الواقع السوري في مسرحية من دون خشبة ولا كلمات

الواقع السوري في مسرحية من دون خشبة ولا كلمات

كيف يمكنك أن تقول كلّ شيء من دون أن تقول أيّ شيء في اثنين وعشرين دقيقة، من دون أن تستخدم كلمة أو ممثلاً أو أياً من أدوات المسرح التقليدية بما فيها الخشبة؟ الجواب قد يبدو بديهياً، لكنّ مشاهد مسرحية «تغفيق» يكتشف أنّ الأمر ممكن.

فالعرض – وهو نتاج محترف يقدمه السينوغراف غيث المحمود مع طلاب وخريجي المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق- ينتمي إلى ما بات يُعرف بـ»المسرح المتعدد الوسائط»، وهو أحد الفنون الحداثية.

تعتمد المسرحية على الجمهور وليس على الممثلين، وتولي التقنيات البصرية والسمعية اهتماما كبيراً، بحيث يمكن استخدام كل ما هو متاح بغية تقديم أفكار ومفاهيم مجردة. إنّه عرض يسمح لك بمتابعة فنّ مسرحي جديد وجميل، قائم على خطاب بصري سمعي مختلف، بإمكانات مادية محدودة لا تتجاوز الـ400 دولار، وإنما بمجهود بشري كبير عبر فريق عمل فني شغوف بما يفعل.

تقوم السينوغرافيا والتقنيات المتعددة على تحريض عقل المتلقي واستفزازه من خلال عرض لوحات فيديو وصور ورسوم متلاحقة على شاشات ومجسمات تحيط بعدد محدود من الجمهور ضمن استديو واحد. وعن هذه التجربة يقول السينوغراف غيث المحمود: «يعتمد العرض على صور غير مترابطة، اي على الذاكرة العشوائية غير المنظمة، التي يُعاد ربطها وتنظيمها في علاقات، ضمن ذهنُ المتلقي، بحيث أن جميع الصور المُسقطة على الأغراض، يمكن ان تعني شيئاً مختلفاً لكل متلقي. إنه عرض تجهيزي مفاهيمي يعتمد على الفن التركيبي».

تبدأ الغرابة من عنوان العرض «تغفيق». والتغفيق مصطلح توصف فيه حالة الذهن في بداية النوم وقبل الدخول بالحلم، بحيث تعمل الحواس الخمس لمدة دقائق، ما بين الحلم والواقع، وهي إحدى فترات الإبداع أو الإلهام أو التذكّر الخاص، عند المبدعين والناس العاديين على حد سواء. لكنها فترة إنتاج خاصة عند المبدعين، بين الوعي واللاوعي، يلعب العرض السينوغرافي لعبته.

عدد الحضور لا يتجاوز العشرين، يجلسون متقاربين على عشرين كرسي صغير دوار، في منتصف المسافة بين شاشتين وبين سطوح تحمل كتل مجردة. يدور العرض على شاشتين متقابلتين، واحدة أمامهم وواحدة خلفهم.

إضافة إلى الإسقاط على النافذة والباب للاستديو وعلى كتل بيضاء مجردة تتخذ أشكال متعددة تستخدم كمنصات للإسقاط، فيتم العرض على أكثر من سطح بجوار المتلقي، الذي يبقى مشحوذ الذهن لمدة اثنين وعشرين دقيقة.

يبدأ العرض من لوحة سقوط الألوان الحارة في الماء، حيث تتمدّد رويداً رويداً. وربما تحيل تلقائياً إلى مشهد الدماء في ذهن المتلقي. ومن ثم تأتي الالوان الباردة التي تذكر ربما بالدمار، قبل ان يتسرب المشهد إلى الشاشة المقابلة، لنرى مجسمات بنايات تشتعل حينا في شكل رمزي ثم تهدأ ثم تظهر بشكل مختلف وتقضي الليل منارة او تختفي، فتُذكر بالبشر نياماً ومستيقظين وأحياء وقتلى.

يقدم العرض عشر لوحات فيديو مصورة بإتقان تسقط على الشاشات. وتنتقل الكتل الحيادية المجسمة من لوحة إلى أخرى بسلاسة حُلمية. إحدى تلك اللوحات تعتمد على ذاكرة طفل مثلاً، كمشهد الوعاء الزجاجي الذي تحفظ فيه الكرات الزجاجية الصغيرة التي يلعب بها الأطفال في الشارع كلعبة جماعية تقوم على المشاركة، وكيف يتشظى هذا الوعاء رويداً رويداً ويتسرب الحلم مع الكرات.

ثم لوحة زجاجات حليب الأطفال الرضع التي تسقط وتحيل إلى نطف تتسرب عبر السطوح المستوية المجردة لتتحول إلى صورة جنين مسقطة على إحدى الكتل الكروية مع التأثيرات الصوتية المذهلة وكل ما يحيل على الحياة الجديدة.

ثم إلى لوحات صغيرة كاللوحات الطرقية منها ما هو مسموح كالعنف والضرب وغيرها، ومنها ما هو ممنوع النساء مع أطفالهن والرجال والأولاد، كلها لوحات تبسيطية لها دلالاتها الرمزية الخاصة.

وفي لوحة مميزة تنتقل الكاميرا حاملةً معها المشاهدين في طريق شديد الانحدار وكأنهم في قطار سريع ينفرج الدرب بعدها على ضفتي طريق في غابة أشجارها عارية كأن الشتاء داهمها فجأة.

وهناك اللوحة المؤثرة التي تقدم قدمي كائن إنساني غريق، قدمين ضخمتين، منتفختين، ومتفسختين، رماديتين، كأنهما استوطنتا قاع البحر منذ فترة، تسقط بعد قليل فوقهما حقائب وأمتعة صغيرة ملونة لمسافرين آخرين، ثم ينطلق صوت دقات قلب عنيفة ويسقط اللون الأحمر مجدداً في الماء.

الفضاء المسرحي المشحون يحاصر المتلقي من كل الجهات، ربما تفتح له نافذة على الشارع لتذكره للحظة بالطريق التي أتى منها ثم تعيده الى قلب الاستديو، عرض سوريالي بامتياز، لا يمكنك أن تمسك به، قُدِّم بطريقة جيدة وتركَ أثراً كبيراً يمكن ملاحظته على وجوه الجمهور عند خروجهم من العرض.

ليس سهلاً أن تنتشل الجمهور من حالة اللامبالاة وتخرجهم من بيوتهم ليحضروا عرضاً فنياً جديدا كل الجدة على الجمهور السوري، وربما الأكثر صعوبة أن تنتشل الطلاب من حالة لامبالية لتستفزهم وتخرج منهم طاقاتهم الكامنة، وتضفر مواهبهم واختصاصاتهم معاً لتقدم عرضا فنياً جيداً، بخاصة في عمل كهذا يجب أن تتوافق وتتزامن فيه الحركة والصورة والصوت والإضاءة.

إذ إن أي خطأ فني أو تقني صغير أو عطل مفاجئ سيخرب العمل تماماً. ونحن نعلم أن إحدى وظائف الفن المسرحي بأشكاله التقليدية والحديثة أن يترك أثراً عميقاً في وعي المتلقي، وأن يحدث صدمة غير مباشرة لهذا الوعي وهذا ما صنعه عرض «تغفيق».

كان السينوغراف غيث المحمود قد حاز مع طلابه وبمشاركة ميار النوري جائزة أفضل فيلم انيميشن ضمن مهرجان أورلاندو بلفوريدا عن فيلم «ثقب» 2016 وهو أيضاً كان نتاج ورشة عمل مع الطلاب، شارك الفيلم في مهرجانات عالمية وعربية عدة.

سوزان المحمود – الحياة

 

شام تايمز

لتبقوا على تواصل دائم معنا والاطلاع على أهم الأخبار تابعونا على الفيس بوك عبر الضغط على الرابط التالي:

https://www.facebook.com/chamtimes

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com