بعد تركيزها على “الإرهاب”.. هل ترسم واشنطن استراتيجية جديدة في سوريا؟

بعد تركيزها على “الإرهاب”.. هل ترسم واشنطن استراتيجية جديدة في سوريا؟

منذ أن شرعت الولايات المتحدة الأمريكية أواخر العام 2014 بشن غاراتها ضد “تنظيم الدولة” في سوريا، ضمن إطار التحالف الدولي لمواجهة التنظيم، وإيقافها برنامجاً لتدريب المعارضة السورية لصالح اعتماد ميليشيا “وحدات الحماية الكردية” وميليشيا “قوات سوريا الديمقراطية” لاحقاً، شريكاً في معركتها ضد تنظيم الدولة، تجنبت كل من إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وخلفه دونالد ترمب، التطرق إلى رسم أي استراتيجية واضحة وطويلة الأمد في سوريا، مع التركيز على “محاربة الإرهاب” فحسب.

فاعلية غائبة

يقول دبلوماسيون وسياسيون أمريكيون إن واشنطن تخسر فاعليتها في هذه سوريا، لا بسبب تعقد الملف السوري فحسب، بل لأنها اختارت بدلاً من ذلك الخطاب المبسط والنظر إلى سوريا من زاوية عملية “مكافحة الإرهاب” ليس إلا.

وقال السناتور جون ماكين مؤخراً، لوكالة رويترز: “ما نحتاجه بدلاً من ذلك هو استراتيجية شاملة تأخذ كل العوامل الاقليمية بعين الاعتبار”. وأضاف: “نريد صياغة واضحة لمصالحنا والطرق والوسائل التي ننوي استخدامها لحماية هذه المصالح. هناك شعور قوي بغياب استراتيجية كهذه حتى لو كنا نحتفل بهذا النجاح المهم” في الرقة.

الوجود العسكري الأمريكي

يوجد في سوريا بحسب تسريبات أمريكية نحو 900 جندي معظمهم من القوات الخاصة في شمال سوريا، قدموا دعماً حاسماً لميليشيا “قسد” في معركتها مع تنظيم الدولة بدءاً من عين العرب كوباني، واستمراراً مع مناطق شمال ريفي حلب والرقة، ووصولاً إلى استعادة السيطرة على العاصمة الثانية لتنظيم الدولة (الرقة) أخيراً، وعملية “غضب الجزيرة” لطرد التنظيم من وادي الخابور.

استفاد مقاتلو ميليشيا “قسد” التي يهيمن عليها الأكراد من التسليح والخبرات العسكرية التي قدمها المدربون الأمريكيون، بحسب ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية، كما تلقت الميليشيا دعماً مستمراً من طائرات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، وأرسل البنتاغون فرقة مدفعية للمؤازرة قرب الرقة، فيما أنشأت القوات الأمريكية مدرجا لطائرات الشحن العسكرية في قاعدة جوية شمال سوريا، وأقام الأمريكان ما يقرب من 10 قواعد عسكرية على امتداد الشمال والشرق السوري وصولاً إلى البادية السورية.

تنظيم الفوضى

من الناحية العسكرية، لم ينته القتال ضد تنظيم الدولة في سوريا بعد، حيث لا يزال عناصر التنظيم ينتشرون في بلدات وقرى وادي نهر الفرات. والبلدات التي أخلاها مقاتلو التنظيم مليئة بالمفخخات المتفجرة والألغام.

في هذا السياق، قالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية هيذر نويرت في بيان رسمي: “سندعم جهود الاستقرار في الرقة والمناطق المحررة الأخرى، ويشمل ذلك تنظيف المناطق التي خرج منها تنظيم داعش من الألغام واستعادة الخدمات الأساسية ومساعدة هيئات الحكم المحلي”.

مستشار مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات ومستشار الأمن القومي السابق لنائب الرئيس الأمريكي، ديك تشيني، جون هانا اعتبر أن استعادة الرقة من غير المرجح أن تؤشر إلى نهاية التدخل الأمريكي في سوريا. مضيفاً أن تشدد ترمب مع إيران ورفضه الإقرار بالتزام طهران بالاتفاق النووي يجب أن يترجم إلى أفعال لاستئصال نفوذ طهران في سوريا.

وأضاف لفرانس برس “إذا كان هناك من معنى لاستراتيجية الرئيس ترمب لمواجهة إيران، فإنها يجب أن تتضمن جهوداً قوية لاحتواء وتحجيم دور الحرس الثوري الايراني في سوريا”.

وهذا يعني، بحسب هانا، “منع إيران وحزب الله وميليشياتهم التي تحارب بالوكالة من بسط سيطرة من دون منازع على شرق سوريا والحدود العراقية السورية الحيوية لهدف إيران الاستراتيجي تأسيس ممر أرضي من طهران إلى البحر المتوسط فالحدود الإسرائيلية”. محذراً من أن من أن نتيجة كهذه قد تتسبب ببدء العد العكسي لصراع إيراني إسرائيلي.

وفيما تنشغل روسيا بالإعداد لطاولة الحل السياسي في سوريا، بعد أن نجحت في تجاوز مرجعية جنيف لصالح حليفها الأسد، في مباحثات أستانا أولاً، ثم التحضير لمؤتمر موسع وفق الخطة “ب” الروسية في قاعدة حميميم ومطار دمشق الدولي لاحقاً، لا يريد الرئيس الأمريكي الانخراط في متاهة المفاوضات مجدداً، ويبدو أن تركيزه منصبّ على مواجهة المد الإيراني في سوريا.

بناء على ما تقدم، يمكن فهم التصعيد الأمريكي المتزايد حول النشاط الإيراني المتزايد في دول المنطقة، والاستناد إلى الإخلال بالاتفاق النووي مع الغرب، كمدخل لزيادة الضغوط السياسية والإعلامية على ميليشيات إيران وأذرعها في المنطقة، كوقف إقرار الاتفاق النووي وإحالته إلى الكونغرس، وفرض عقوبات على ميليشيا الحرس الثوري الإيراني من قبل وزارة الخزانة الأمريكية.

الموقف الإيراني

بالمقابل، تجد طهران في تبدل الموقف الأمريكي من الاتفاق النووي محاولة أمريكية لتمرير المزيد من الضغوط عليها وكبح نفوذها المتزايد في العديد من دول المنطقة، ولا سيما سوريا.

لكن ملالي طهران المعروفين بنفسهم الطويل في إدارة الأزمات مع الغرب، لم يختاروا التهدئة أو المناورة هذه المرة، بل صبت كل التصريحات الرسمية الإيرانية في صالح التصعيد المتبادل مع إدارة ترمب.

ميليشيا الحرس الثوري الإيراني اعتبرت على لسنا قائدها الجنرال محمد علي جعفري، أن الولايات المتحدة “تفهم لغة السلاح أكثر من المفاوضات”، متعهدة بتسريع وتيرة برنامجها الصاروخي وتعزيز النفوذ الإقليمي لطهران.

وأكدت الميليشيا النافذة في طهران أنها “عازمة أكثر من أي وقت على مقارعة نظام الهيمنة والصهيونية بلا هوادة، والدفاع عن الثورة والمصالح الوطنية” لإيران، متعهدة أن “يواصل وبوتيرة أسرع ومن دون توقف، النفوذ الإقليمي والاقتدار وتطوير القدرات الصاروخية الإيرانية، على رغم أنف الأعداء”.

أما الجنرال حسين سلامي، نائب جعفري، فاعتبر أن خطاب ترمب “دليل على تحوّل إيران قوة كبرى، تُقدّم نموذجاً مقبولاً عالمياً، يُحارَب ويُحاصَر لكنه يتقدّم”. وأضاف: “نخوض حرباً عقائدية وثقافية كبرى. ساحات قتالنا امتدت من (نهر) كارون إلى البحر المتوسط وشمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، وصدّرنا الثورة إلى الدول الإسلامية”.

بالمقابل، حذر رئيس أركان الجيش الإيراني الجنرال محمد باقري “إسرائيل” من مغبة ما سماه “انتهاك المجال الجوي السوري والأراضي السورية” أثناء زيارته لدمشق أمس الأربعاء.

وقالت وسائل إعلام إيرانية إن باقري تعهد “بتعزيز التعاون مع الجيش السوري في مواجهة إسرائيل والمعارضة المسلحة”.

أما المرشد الإيراني، فأعطى الضوء الأخضر لجنرالاته عندما صرح أن بلاده ستحوّل الاتفاق النووي المُبرم مع الدول الست “فتاتاً”، إذا “مزقه” الرئيس دونالد ترمب. وحذر أوروبا من “التناغم مع العنجهية الأميركية” وقبول طروحات واشنطن في شأن الدور الإقليمي لطهران وبرنامجها الصاروخي.

 

شام تايمز

لتبقوا على تواصل دائم معنا والاطلاع على أهم الأخبار تابعونا على الفيس بوك عبر الضغط على الرابط التالي:

https://www.facebook.com/chamtimes

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com